كتاب تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد ويليه شرح الصدور في تحريم رفع القبور
فإن قلتَ: هذا قبرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عُمّرت عليه قُبَّة عظيمةٌ أُنفقت فيها الأموال.
قلتُ: هذا جهلٌ عظيم بحقيقة الحال، فإنَّ هذه القبَّة ليس بناؤها منه صلى الله عليه وسلم، ولا من أصحابه، ولا مِن تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا مِن علماء أمَّته وأئمَّة مِلَّتِه، بل هذه القبَّة المعمولةُ على قبره صلى الله عليه وسلم مِن أبنية بعض مُلوك مصر المتأخرين، وهو قَلاَوُون الصالحي المعروف بالملك المنصور، في سنة ثمان وسبعين وستمائة، ذكره في (تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة) (1) ، فهذه أمورٌ دولية لا دليلية، يتبع فيها الآخرُ الأول.
وهذا آخرُ ما أردناه مِمَّا أوردناه لَمَّا عمَّت البلوى، واتُّبعت الأهواء وأعرض العلماء عن النكير، الذي يجب عليهم، ومالوا إلى ما مالت العامَّة إليه، وصارَ المنكرُ معروفاً والمعروف منكراً، ولَم نجد من الأعيان ناهياً عن ذلك ولا زاجراً (2) .
فإن قلتَ: قد يتَّفق للأحياء أو للأموات اتصالُ جماعة بهم، يفعلون
__________
1 للعلامة زين الدين أبي بكر بن الحسين بن عمر أبي الفخر المراغي المتوفى سنة (816هـ) ، والمشهور أنَّ اسمه كنيته، وقيل: اسمه عبد الله، وله ترجمة طويلة في الضوء اللامع للمؤرِّخ الناقد السخاوي (إسماعيل) .
2 لعلَّه يريد بالنفي البلاد اليمنية، وقد أثنى في أبياته التي ذكر بعضها فيما مضى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ في إنكار البناء على القبور والغلوِّ في أصحابها، وكثير من العلماء في مختلف العصور يُنكرون ذلك في مؤلفاتهم، ومن ذلك قول ابن كثير في البداية والنهاية (في حوادث سنة 208هـ) : "وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام".