كتاب تاريخ النقد الأدبي عند العرب

جوانب أخرى من الشعر، كالشعر الغنائي وفنونه المختلفة؟ أياً كان الامر، ومهما تكن الصلة بين رسالة الفارابي وكتاب ارسطو خفيفة فإن الفارابي - في مجموع ما وصلنا من حديث له عن الشعر - كان على معروفة بكتاب ارسطو، ولكنه لم يفد منه الإفادة المستوفاة لأسباب عديدة: منها انغلاق بعض أجزاء الكتاب دونه، ومنها أنه غير منصرف - على الحقيقة - للشعر والنقد، أو كما اعتذر في آخر القوانين بقوله: " إلا أن الاستقصاء في مثل هذه الصناعة يذهب بالإنسان في نوع واحد من الصناعة وفي وجهة واحدة، ويشغله عن الأنواع والجهات الأخرى " (1) ، وأنت إذا قرأت قوله في وصف الكتاب الثامن " أي كتاب الشعر " من الكتب المنطقية: " والثامن فيه القوانين التي تسير بها الأشعار وأصناف الأقاويل الشعرية المعمولة والتي تعمل في فن من الامور، ويحصي أيضاً جميع الأمور التي تلتئم بها صناعة الشعر، وكم أصنافها وأصناف الأشعار والأقاويل الشعرية، وكيف صنعة كل منها، ومن أي الأشياء يعمل وبأي الأشياء يلتئم ويصير أجود وأفخم وأبهى وألذ، وبأي أحوال ينبغي ان يكون حتى يصير أبلغ وأنفذ " (2) ، ذكرت ما جاء في العبارة الأولى من كتاب الشعر (3) ، وغن انتحى الفارابي منحى البسط والإسهاب. كذلك فإن حديث الفارابي عن المحاكاة في مواضع مختلفة يشير إلى أنه استطاع استيعاب هذه النظرية على وجه مقبول. وهو لا يسمى المأساة والملهاة ما سماها متى مدحاً وهجاء بل يحتفظ باسميهما اليونانيين " طراغوذيا وقوموذيا " وإن كان في تعريفه لهما بعيداً عن إدراك
__________
(1) نفسه: 158.
(2) إحصاء العلوم: 72.
(3) جاء فيها: " لما كان موضوعنا هو الشعر فإني لا انوي أن أتحدث في الفن الشعري عامة فحسب، ولكني سأبحث في فنونه المختلفة وأتلمس التأثير الصحيح لكل منها وأتعرف البناء أو النهج الذي يعد أساسياً في القصيدة الجيدة وعدد الأجزاء التي يتكون منها كل فن وطبيعة كل جزء فيها وما أشبه ذلك مما يجري هذا المجرى ويتسق مع وجهة البحث (كتاب الشعر: 18) .

الصفحة 216