كتاب تاريخ النقد الأدبي عند العرب

لقراءة شعر المتنبي، من زوايا مختلفة، على مر الزمن (1) . وأكتفي هنا بإيراد مثلين على ذلك: يقول أبن جني في شرح البيت الثاني من هذين البيتين:
(فحب الجبان النفس أورده التقى ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا)
ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا " إن الرجلين ليفعلان فعلاً واحداً فيرزق أحدهما ويحرم الآخر، فكأن الإحسان الذي رزق به هذا هو الذنب الذي حرم به هذا؟ " (2) فيتعقبه أبو العباس أحمد بن علي الأزدي المهلبي بقوله: " وأقول: إنه لم يفهم معنى البيتين، ولا ترتيب الآخر منهما على الأول، ومعنى البيت الأول أن الجبان يحب نفسه فيحجم طلباً للبقاء، والشجاع يحب نفسه فيقدم طلباً للثناء، والبيت الثاني مفسر للأول يقول: فالجبان يرزق بحبه نفسه الذم لإحجاءه، والشجاع يرزق بحبه نفسه المدح لإقدامه، فكلاهما محسن إلى نفسه بحبه لها، فاتفقا في الفعل الذي هو حب النفس واختلفا في الرزقين اللذين هما الذم والمدح، حتى إن الشجاع لو أحسن إلى نفسه بترك الإقدام كفعل الجبان لعد ذلك له ذنباً، فهذا هو المعنى، وهذا في غاية الإحكام، بل في غاية الإعجاز، لا ما فسره " (3) ، ومن تأمل الشرحين وجد حقاً أن أبن جني لم يدرك ما أراده أبو الطيب.
__________
(1) رد عليه الربعي تلميذ المتنبي في شيراز بكتابه " التنبيه على خطأ ابن جني " ويقال أن للتوحيدي كتاباً بعنوان " الرد على ابن جني في شعر المتنبي " ولأبن فورجة كتابان " التجني على ابن جني " و " الفتح على أبي الفتح "، ولأبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني " الموضح في مشكلات شعر المتنبي " تسميه المصادر: الإيضاح) وهو رد على ابن جني في شرحه لأبيات المعاني؛ ويرد الواحدي على ابن جني أثناء شرحه للديوان، ولأحمد بن علي الأزدي كتاب " المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب " والفصل الأول فيه رد على ابن جني، (وأنظر الصبح المنبي: 269 وبلاشير: 19 وما بعدها) .
(2) شرح ابن جني (الورقة: 30) نسخة دار الكتب.
(3) المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب (الورقة 8 - 9) نسخة فيض الله رقم 1748.

الصفحة 285