كتاب دراسات في التصوف

حتى عزمت على الانصراف. فبتُّ تلك الليلة في مسجد , ثم قلت في نفسي: جئت هذا البلد , فلا أقل من زيارته!. فلم أزل أسأل عنه , حتى دفعت إلى مسجد , فوجدته جالساً في المحراب , وبين يديه , مصحف يقرأ فيه , إذا هو شيخ بهي , حسن الوجه واللحية. فدنوت منه , وسلمت عليه , فرد علي السلام , وقال: من أين أنت؟ قلت من بغداد , قال: لأي شيء جئت؟ , قلت زائر لك! , قال: أرأيت لو أن إنساناً - في بعض البلدان التي جزت بها قال لك: أقم عندي , وسأشتري لك داراً أو جارية! , أكان ذلك يمنعك من زيارتي! , قلت: يا سيدي! , ما امتحنني الله بشيء من ذلك! , ولو كان , فلا أدري كيف كنت أكون , فقال: أتحسن تقول شيئاً؟ , قلت: نعم!. وأنشدت:

رأيتك تبني دائباً في قطيعتي ... ولو كنت ذا رحم لهدمت ما تبني
كأني بكم , والليث أفضل قولكم ... ألا ليتنا كنا إذ الليثُ لا تغني

فأطبق المصحف , " ولم يزل يبكي , حتى بل لحيته وثوبه , ورحمته من كثرة بكائه.
ثم ألتفت إليً , وقال: يا بني أتلوم أهل الريً على قولهم: يوسف بن الحسين الزنديق , وهو ذا من وقت صلاة الصبح أتلو القرآن , لم تقطر من عيني قطرة , وقد قامت عليً القيامة بهذا البيت " (¬1).

ومثل هذه الحكاية روى ابن الجوزي في كتابه نقلاً عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال:

" أخرجت إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهل الصعلوكي وكان له قبل خروجي أيام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات , فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس وعقد لابن الفرغاني في ذلك الوقت مجلس القوال يعني المغني , فتداخلني من ذلك شيء فكنت أقول:

قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوّال , فقال لي يوماً: أي شيء تقول الناس؟
¬_________
(¬1) طبقات الأولياء لابن الملقن ص 380 , 381 , 382 , أيضاً حلية الأولياء ج 10 ص 240 , أيضاً اللمع للطوسي ص 364 , أيضا إحياء علوم الدين للغزالي ج 2 ص 275 , 276 , أيضا الأنوار القدسية للشعراني ج 2 ص 184 , أيضاً الطبقات الكبرى له أيضاً ج1 ص 89 , 90.

الصفحة 188