كتاب المجلى في شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى

قال الله تعالى: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} [يوسف:2] وقال تعالى: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} [الشعراء: 193-195] ولا أحد يفهم من قول القائل: فلان يسير بعيني أن المعنى أنه يسير داخل عينه ولا من قول القائل: فلان تخرج على عيني أن تخرجه كان وهو راكب على عينه (¬1) ولو ادعى مدع أن هذا ظاهر اللفظ في هذا الخطاب لضحك منه السفهاء فضلاً عن العقلاء (¬2) .
الثاني: أن هذا ممتنع غاية الامتناع ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره أن يفهمه في حق الله تعالى لأن الله تعالى مستو على عرشه بائن (¬3)
¬_________
(¬1) وإنما أراد أنني كنت أحفظه وأرعاه إلى أن تخرج.
(¬2) وإنما يفهم منه أن عينيه تصحبه بالنظر والرعاية لأن الباء هنا للمصاحبة وليست للظرفية وهذا هو بطلان كلامهم من الناحية اللفظية.
أما بطلانه من الناحية المعنوية: فإن من المعلوم أن نوحاً عليه الصلاة والسلام كان في الأرض، وأنه صنع السفينة في الأرض، وجرت على الماء في الأرض كما قال الله تعالى: {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} وقال: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر} .
ولا يمكن لأحد أن يدعي أن ظاهر اللفظ أن السفينة تجري في عين الله عز وجل لأن ذلك ممتنع غاية الامتناع في حق الله تعالى ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره وعلم أنه مستو على عرشه بائن من خلقه ليس حالاً في شيء من مخلوقاته ولا شيء من مخلوقاته حالاً فيه أن يفهم من هذا اللفظ هذا المعنى الفاسد.
وعلى هذا فمعنى الآية الذي هو ظاهر اللفظ أن السفينة تجري والله تعالى يكلؤها بعينه ا. هـ من تقريب التدمرية للمؤلف.
(¬3) لفظة (بائن) وان لم ترد في الكتاب والسنة ولم تكن معروفة في عهد الصحابة إلا أنه ... لما ابتدع الجهم وأتباعه القول بأن الله في كل مكان اقتضى ضرورة البيان أن يتلفظ الأئمة الأعلام بلفظ (بائن) دون أن ينكره أحد منهم.
وممن نص على ذلك عبد الله بن أبي جعفر الرازي، وعالم الرى هشام وإسحاق بن راهويه عالم خراسان وذكره عن ابن المبارك وغير هؤلاء ممن ذكرهم الذهبي في مختصر العلو ونقله الألباني في مقدمته ص18 وانظر أيضاً التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للمعلمي (2/286) .

الصفحة 282