كتاب تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى المبطلين

ويجدر التنبيه هنا إلى أنه لا يلزم من تخيله - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل الشيء الذي لم يفعله أن يجزم بتخييله ذاك، فقد يكون تخييله من جنس الخاطر الذي يخطر على باله ولا يثبت (¬1)، وهو أمر قد يحصل لأي أحد من غير سحر ولا نفث عقد.
وقد اعتبرت الملائكة ما أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من السحر من جنس المرض الذي يصيب الأنبياء وغيرهم، فقال «أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟» فاعتبراه مريضاً، وكذلك اعتبره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقد قال في آخر الحديث: «فأما أنا فقد شفاني الله» (¬2)، وفي رواية: «إن الله أنبأني بمرضي»، وكذلك ورد في حديث عائشة قولُها: (فكان يدور ولا يدري ما وجعه) (¬3)، وقال ابن عباس: (مرض النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأُُخذ عن النساء والطعام والشراب) (¬4).
وفي قصة سحره - صلى الله عليه وسلم - فوائد، منها: قطع ذرائع الغلو في شخصه - صلى الله عليه وسلم -، والإيمان أنه بشر كسائر البشر {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} (الإسراء: 93).
ومنها الدلالة على نبوته - صلى الله عليه وسلم - (¬5)، فقد قالت أخت الساحر لبيد: "إن يكن نبياً فسيُخبر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله" (¬6)، وقد كانت الأُولى حين أخبر، ثم شفي لما أنزل الله عليه المعوذتين.
¬_________
(¬1) انظر: فتح الباري، ابن حجر (10/ 226).
(¬2) أخرجه البخاري ح (3268).
(¬3) انظر: فتح الباري، ابن حجر (10/ 227 - 228).
(¬4) انظر: ابن سعد في الطبقات (2/ 198)، والبيهقي في الدلائل (6/ 248) وأضواء البيان، الشنقيطي (4/ 130).
(¬5) انظر: فتح الباري، ابن حجر (10/ 227)، ولأجل ذلك أورد البيهقي قصة سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتابه "دلائل النبوة".
(¬6) أخرجه ابن سعد في الطبقات ح (2/ 198)، وهو مرسل.

الصفحة 164