كتاب الكلام على مسألة السماع (اسم الجزء: 1)

فهاتان مرتبتان لحمل هذا الكلام، إحداهما باطلة قطعًا، والثانية صحيحة قطعًا، تبقى بين عموم تلك المرتبة وخصوص هذه مراتبُ عديدة:
منها: أن يُحمَل ذلك على ما يجد المستمع في قلبه من المخاطبات والإشارات من الصوت وإن لم يقصده المصوِّت، فهذا كثيرًا ما يقع لهم، وأكثر الصادقين الذين حضروا هذا السماع يشيرون إلى هذا المقصد، وصاحب هذه الحال يكون لما يسمعه مُذكِّرًا له بما كان في قلبه من الحق. وهذا يكون على وجهين:
أحدهما: من الصوت المجرد الذي لا يُفهَم معناه، كأصوات الطيور والرياح والآلات وغيرها، فهذه الأصوات كثيرًا ما يُنزِلها السامع على حاله، فيُحرِّك منه ما يناسبه من فرح أو حزن أو غضب أو شوق وغيره، كقول بعضهم (¬1):
رُبَّ ورقاءَ هَتُوفٍ في الضُّحَى ... ذاتِ حُسنٍ صَدَحَتْ في فَنَنِ
ولقد أبكِيْ فلا أُفهِمُها ... وَهْيَ قد تبكي فلا تُفهِمُني
غيرَ أني بالجَوَى أعرِفُها ... وَهْيَ أيضًا بالجَوَى تَعرِفُني
¬__________
(¬1) الأبيات لأبي بكر الشبلي في "اللمع" للطوسي (ص 379) و"طبقات الشافعية" للسبكي (3/ 177) وانظر ديوانه (ص 152). والرواية: "ذات شجو" بدل "ذات حسن". ورواية البيت الثاني في المصادر:
ولقد تشكو فما أَفهمُها ... ولقد أشكو فما تَفهمُني
وفي بعضها: "ولقد تبكي. . . . ولقد أبكي. . . .".

الصفحة 268