لذاته ممتنع.
الأمر الثاني: أن يقال لك: ومن أين لك أن كل من أصغى إليه بحق تحققَ؟ بل المُصْغِي إليه بحق قد يحصل له من الزندقة والنفاق علمًا وحالًا ما لا شعورَ له به، كما قال عبد الله بن مسعود: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل" (¬1). والنفاق هو الزندقة.
وامتحَن (¬2) أهلَ الغناء بأهل القرآن، وأهلَ القرآن بأهل الغناء،
¬__________
(¬1) سبق تخريجه.
(¬2) يبدو أن هنا سقطًا، فإن الكلام غير متصل بما قبله. وهذا مكان تغيير الورقة، فالظاهر سقوطُ ورقةٍ أو أكثر. وفي الاستقامة (1/ 393) بعد قوله: "والنفاق هو الزندقة": ومن المعلوم أن البقل ينبت في الأرض شيئًا فشيئًا لا يُحِسّ الناس بنباته، فكذلك ما يبدو في القلوب من الزندقة والنفاق قد لا يشعر به أصحاب القلوب، بل يظنون أنهم ممن تحقق، ويكون فيهم شبه كثير ممن تزندق.
ويوضح هذا أن دعوى التحقق والتحقيق والحقائق قد كثرت على ألسنة أقوام، هم من أعظم الناس زندقة ونفاقًا، قديمًا وحديثًا، من الباطنية القرامطة، والمتفلسفة الاتحادية، وغير هؤلاء.
وكذلك قوله: "هو وارد حق يزعج القلوب إلى الحق".
يقال له: إن كان قد تنزعج به بعض القلوب أحيانًا إلى الحق، فالأغلب عليه أن يزعجها إلى الباطل، وقلما يزعجها إلى الحق محضًا.
بل قد يقال: إنه لا يفعل ذلك بحال، بل لابد أن يُضم إلى ذلك شيء من الباطل، فيكون مزعجًا لها إلى الشرك الجليّ أو الخفيّ، فإن ما يزعج إليه هذا السماع مشترك بين الله وبين خلقه، فإنما يزعج إلى القدر المشترك، وذلك هو الإشراك بالله. =