كتاب الكلام على مسألة السماع (اسم الجزء: 1)

وابتلىَ كل واحد من الفريقين بالآخر. فلا يصطلحان إلا إذا ترك أحدهما ما عنده لما عند الآخر، وامتحن كلًّا من الإنسان والشيطان بالآخر، وسلَّط كلًّا منهما على الآخر وأعانه عليه، فأعان الإنسانَ على الشيطان بطاعته وذكره وتقواه وصبره واستعاذته بربه منه، وأعان الشيطانَ على الإنسان بفجوره ونسيانه لربه ومعصيته لأمره. وامتحن بدنَ الإنسان وجوارحه بنفسه، ونفسَه ببدنه وجوارحه. ولا تزال الخصومة بين يدي الرب تعالى بين هؤلاء الممتحن بعضهم ببعض، حتى تختصم الروح والبدن بسبب ذلك الامتحان والفتنة، فيحكم بينهما بأعدل الحكم.
¬__________
= ولهذا لم يذكر الله هذا السماع في القرآن إلا عن المشركين، الذين قال فيهم: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35]، فلا يكون مزعجًا للقلوب إلى إرادة الله وحده لا شريك له، بل يزعجها إلى الباطل تارةً، وإلى الحق والباطل تارةً.
ولو كان يزعج إلى الحق الذي يحبه الله خالصًا أو راجحًا، لكان من الحسن المأمور به المشروع، ولكان شرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله أو فعله، ولكان من سنة خلفائه الراشدين، ولكان المؤمنون في القرون الثلاثة يفعلونه، لا يتركون ما أحبه الله ورسوله، وما يحرّك القلوب إلى الله تحريكًا يحبه الله ورسوله.
وأيضًا فهذا الإزعاج إلى الحق، قد يقال: إنه إنما قد يحصل لمن لم يقصد الاستماع، بل صادفه مصادفة سماع شيء يناسب حاله، بمنزلة الفأل لمن خرج في حاجة. فأما من قصد الاستماع إليه والتغنّي به، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن".

الصفحة 276