كتاب إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
وقال ابن إسحاق (¬1): اخترتُ منهم سبعين رجلًا، الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد؟ فما الذي يُصدّقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟
وعلى هذا فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا، فكان بنو إسرائيل يُعاينون ذلك ولا يتَّهمونني.
وقال الزجَّاج (¬2): المعنى: لو شئت أمتَّهم من قبل أن تَبتليَهم بما أوجب عليهم الرجفة.
قلت: وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود.
والذي يظهر -والله أعلم بمراده ومراد نبيِّه-: أن هذا استعطافٌ من موسى عليه السلام لربّه، وتوسُّلٌ إليه بعفوه عنهم من قَبْلُ حين عبد قومهم العجل ولم يُنكروا عليهم، يقول موسى: إنهم قد تَقَدَّمَ منهم ما يقتضي هلاكهم ومع هذا فوسعهم عفوُك ومغفرتك ولم تهُلكهم، فليَسعهم اليوم ما وسعهم من قبلُ.
وهذا كما يقول مَنْ واخَذه سيّده بجُرم: لو شئت واخذتَني من قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجُرم، ولكن وسعني عفوُك أولًا، فليسعني اليوم.
ثم قال نبي الله: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155].
فقال ابن الأنباري وغيره: هذا استفهام على معنى الجَحْد أي: لست تفعل ذلك.
¬__________
(¬1) رواه الطبري في تفسيره (957، 15169).
(¬2) معاني القرآن (2/ 380).