كتاب إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)

وظاهر الحديث: أن الهمز نوع غير النفخ والنفث.
وقد يقال -وهو الأظهر-: إن همزات الشياطين إذا أُفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم، وإذا قُرنت بالنفخ والنفث كانت نوعاً خاصًّا، كنظائر ذلك.
ثم قال: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ}.
قال ابن زيد: في أموري (¬1).
وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن (¬2).
وقال عكرمة: عند النزع والسِّياق (¬3).
فأمَره أن يستعيذ من نَوْعَيْ شرِّهم: إصابتهم له بالهمز، وقربهم ودنوّهم منه. فتضمنت الاستعاذة أن لا يمسوه ولا يقربوه، وذكر ذلك سبحانه عقيب قوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96]، فأمره أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هي أحسن، وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم.
ونظير هذا قولُه في الأعراف: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، فأمره بدفع شر الجاهلين بالإعراض عنهم، ثم أمره بدفع شر الشيطان (¬4) بالاستعاذة منه؛ فقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
¬__________
(¬1) رواه ابن جرير في تفسيره (19/ 69)، وعزاه في الدر المنثور (6/ 114) لابن أبي حاتم.
(¬2) انظر: النكت والعيون للماوردي (4/ 66).
(¬3) انظر: الكشاف للزمخشري (3/ 204). والأقوال الثلاثة في البسيط (16/ 58).
(¬4) الأصل: "الشياطين". والمثبت من بقية النسخ.

الصفحة 165