كتاب إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)

لا، فقل لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وهل بعد طريق الجنة إلا طريق النار؟ وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان؟ فإن اتبعتِ سبيله كنت قرينه، وستقولين: {يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف: 38]، ولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فليقْتَدِ بهم، وليحتَذِ (¬1) طريقتهم؛ فقد رُوِّينا عن بعضهم أنه قال: "لقد تقدمني قوم؛ لو لم يتجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته".
قلت: هو إبراهيم النَّخَعيُّ (¬2).
وقال زين العابدين يومًا لابنه: "يا بني! اتخذ لي ثوبًا ألبسه عند قضاء الحاجة؛ فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء، ثم يقع على الثوب". ثم انتبَه (¬3) فقال: "ما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلا ثوب واحد". فتركه (¬4).
وكان عمر رضي الله تعالى عنه يَهُمّ بالأمر ويَعزِم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى، حتى إنه قال: "لقد هممتُ أن أنهى عن لبس هذه الثياب؛ فإنه بلغني أنها تُصبَغ ببول العجائز"، فقال له أُبيٌّ: "ما لك أن تنهى؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد لبسها، ولُبِستْ في زمانه، ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله". فقال عمر: "صدقت" (¬5).
¬__________
(¬1) م: "وليتخذ".
(¬2) رواه الدارمي (218) من طريق شريك عن أبي حمزة عن إبراهيم النخعي بمعناه.
(¬3) م: "ثم أتيته فقلت".
(¬4) رواه ابن سعد في الطبقات (5/ 218 - 219)، وأبو نعيم في الحلية (3/ 133).
(¬5) رواه عبد الرزاق (1/ 383)، وأحمد (5/ 142)، وابن حزم في حجة الوداع (397) من طريق الحسن البصري عن عمر، قال الهيثمي في المجمع (1/ 633، 5/ 225): =

الصفحة 236