كتاب إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
يبقى أن يقال: فإذا خفيَ على أكثر الناس حكم الطلاق، ولم يُفَرِّقوا بين الحلال والحرام منه جهلاً، وأوقعوا الطلاق المحرّم يظنونه جائزًا، هل يَسْتَحِقّون العقوبة بالإلزام به؛ لكونهم لم يتعلموا دينهم الذي أمرهم الله تعالى به، وأعرضوا عنه، ولم يسألوا أهل العلم كيف يطلقون؟ وماذا أبيح لهم من الطلاق؛ وماذا يحرم عليهم منه؟ أم يُقال: لا يستحقون العقوبة؛ لأن الله سبحانه لا يعاقب شرعًا ولا قدرًا إلا بعد قيام الحجة، ومخالفة أمره، كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]؟ وأجمعَ الناس على أن الحدود لا تجب إلا على عالم بالتحريم، متعمدٍ لارتكاب أسبابها، والتعزيراتُ مُلْحَقة بالحدود.
فهذا موضع نظر واجتهاد، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "التائبُ من الذنبِ كمَنْ لا ذنبَ له" (¬1)، فمن طلّق على غير ما شرعه الله تعالى وأباحه جاهلاً، ثم علمَ
¬__________
(¬1) رواه ابن ماجه (4250)، والطبراني في الكبير (10/ 150) - وعنه أبو نعيم في الحلية (4/ 210) -، والدارقطني في العلل (5/ 297)، والسهمي في تاريخ جرجان (674)، وغيرهم من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود مرفوعًا، وفي إسناده اختلاف، وأعلّه البيهقي في الكبرى (10/ 154) وقال: "ورُوي من أوجه ضعيفة"، وأعلّه بالانقطاع المنذري في الترغيب (4/ 48)، وابن مفلح في الآداب الشرعية (1/ 117)، والهيثمي في المجمع (10/ 330)، والهيتمي في الزواجر (2/ 956)، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (13/ 471)، قال السخاوي في المقاصد (1/ 249): "يعني لشواهده، وإلا فأبو عبيدة جزم غير واحد بأنه لم يسمع من أبيه"، ولكن قال ابن رجب في الفتح (7/ 342): أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه. وحسّنه الألباني في السلسلة الضعيفة (2/ 83). وفي الباب عن أنس وابن عباس وأبي سعد الأنصاري وأبي عنبة الخولاني وعائشة.