كتاب إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
وكذلك قال يوسف عليه السلام لما عُرض عليه أن يأخذ أحدهم مكان أخيهم: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} [يوسف: 79]، ولم يقل: أن نأخذ إلا من سرق؛ فإن المتاع كان موجودًا عنده، ولم يكن سارقًا، وهذا من أحسن المعاريض.
وقد قال نصر بن حاجب: سئل سفيان بن عُيينة (¬1) عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله، ويحرف القول فيه ليرضيه؛ أيأثم في ذلك؟ فقال: ألم تسمع قوله عليه الصلاة والسلام: "ليس بكاذب من أصلح بين الناس، فكذب فيه" (¬2)؟
فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم كان خيرًا من أن يصلح بين الناس بعضهم في بعض، وذلك أنه أراد به مَرْضاة الله، وكراهية أذى المؤمن، ويندم على ما كان منه، ويدفع شرَّه عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم، ولا طمعًا في شيء يصيب منهم؛ فإنه لم يرخَّص في ذلك، ورخَّص له إذا كره مَوجِدَتَهُمْ وخاف عداوتهم.
قال حُذيفة بن اليمان (¬3) رضي الله عنه: إني أشتري ديني بعضه ببعض؛
¬__________
(¬1) ذكره من هذه الطريق ابن تيمية في بيان الدليل (ص 209)، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (16/ 250) بإسناده عن نعيم بن حماد قال: قلت لسفيان بن عيينة: أرأيت الرجل يعتذر إليّ من الشيء عسى أن يكون قد فعله ويحرّف فيه القول ... وذكره.
(¬2) أخرجه البخاري (2692)، ومسلم (2605) عن أم كلثوم بنت عقبة.
(¬3) رواه في المخارج في الحيل (ص 6) من طريق مسعر بن كدام، وابن أبي شيبة (6/ 474) والطبري في تهذيب الآثار (238 - مسند علي-) وأبو نعيم في الحلية (1/ 279) - وعنه ابن عساكر في تاريخه (12/ 294) - من طريق الأعمش، كلاهما =