كتاب إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
انتقمَ منهم بأنواع العقوبات، وكذلك كانت قصةُ يوسف عليه السلام، فإن يوسف أكثرُ ما قدر عليه أن ألقى الصُّواع في رَحْل أخيه، وأرسل مؤذِّنًا يؤذِّن: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70]، فلما أنكروا قال: {فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} [يوسف: 74، 75]، أي: جزاؤه استعبادُ المسروق ماله للسارق: إما مطلقًا، وإما إلى مُدَّةٍ، وهذه كانت شريعة آل يعقوب عليه السلام، حتى قيل: إن مِثْلَ هذا كان مشروعًا في أول الإسلام: أن المَدِين إذا أعسَرَ بالدين اسْترقّه صاحبُ الحق.
وعليه حُمِلَ حديثُ بيع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - سُرَّقًا (¬1).
وقد قيل: بل كان بيعه إيّاه إيجاره (¬2) لمن يستعمله، وقضاء دينه بأجرته، وعلى هذا فليس بمنسوخ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى: أن المفلِس إذا بقيت عليه ديون، وله صَنعة، أُجْبِر على إجارته نفسه، أو آجَره الحاكم، ووفىّ دينه من أجرته.
¬__________
(¬1) هو سُرَّق بضمّ أوّله وتشديد الراء المفتوحة وقيل: بتخفيفها، ابن أسد الجهني، وقيل غير ذلك، صحابي جليل سكن مصر، قَدِم المدينةَ وأخبر الصحابةَ أنّ ماله سيقدم، فبايعوه فاستهلك أموالهم، فأتوا به إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أنت سُرّق"، وباعه بأربعة أبعرة، ثم أعتقوه. روى خبرَه هذا ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص 347)، والروياني (1487)، والطحاوي في شرح المعاني (5692)، وابن عدي في الكامل (4/ 299)، والدارقطني (3/ 62)، والبيهقي في الكبرى (6/ 50) وقال: "في إجماع العلماء على خلافه دليلٌ على ضعفه، أو نسخه إن كان ثابتًا"، وصححه الحاكم (2330)، وابن عبد الهادي في التنقيح (4/ 130)، وحسنه الألباني في الإرواء (1440).
(¬2) م: "إعساره". وهو تحريف، والمثبت من باقي النسخ.