كتاب إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
خلقه، سَوَّوهم به في العبادة والتعظيم.
وقال تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65].
قال ابن عباس (¬1): شبهًا ومثلًا، وهو مَنْ يُسامِيْه.
وذلك نفي عن المخلوق أن يكون مشابهًا للخالق ومماثلًا له، بحيث يستحقّ العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سَمِيًّا أو مشبَّهًا لغيره، فإن هذا لم يقله أحد، بل المشركون المشبّهون جعلوا بعض المخلوقات مُشابهًا له مساميًا وندًّا وعِدْلًا، فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل.
وكذلك قوله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} [النحل: 73, 74]، فنهاهم أن يضربوا له مثلًا من خلقه، ولم ينههم أن يضربوه هو مثلًا لخلقه، فإن هذا لم يقله أحدٌ، ولم يكونوا يفعلونه، فإن الله سبحانه أجل وأعظم وأكبر من كل شيء في فِطَر الناس كلهم، ولكن المشبِّهون المشركون يَغْلُون فيمن يعظمونه، فيشبّهونهم بالخالق، والله تعالى أجلّ في صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره أصلًا، ثم يشبهونه سبحانه بغيره.
¬__________
(¬1) رواه الطبري في تفسيره (18/ 226) وابن مردويه -كما في تغليق التعليق (4/ 34) - والبيهقي في الشعب (1/ 143) وفي الأسماء والصفات (610) وفي الاعتقاد (ص 45) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواه الطبري (18/ 226) أيضًا من طريق الحسن بن عمارة عن رجل عن ابن عباس، وعزاه في الدر المنثور (5/ 532) لابن المنذر وابن أبي حاتم.