كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
ولو توسطوا هذا التوسط، وسلكوا هذا المسلك، وقالوا: إن المصلحة
تنشأ من الفعل المأمور به تارة، ومن الامر تارة، ومنهما تارة، ومن العزم
المجزد تارة؛ لانتصفوا من خصومهم.
فمثال الأول: الصدق، والعفة، والاحسان، والعدل؛ فان مصا لحها ناشئة
ومثال الثا ني: التجرد في الاحرام، والتطهر بالتراب، والسعي بين الصفا
و لمروة، ورمي ا لجمار، ونحو ذلك؛ فان هذه الافعال لو تجردت عن الامر
لم تكن منشأ لمصلحة، فلما أمر بها نشأت مصلحتها من نفس الامر.
ومتال التالث: الصوم، والصلاة، وا لحج، واقامة ا لحدود، وأكثر
الاحكام الشرعية؛ فان مصلحتها ناشئة من الفعل والامر معا، فالفعل يتضمن
مصلحة والامر به يتضمن مصلحة أخرى، فالمصلحة فيها من وجهين.
ومثال الرابع: أمر الله تعا لى خليله إبراهيم بذبح ولده؛ فإن المصلحة إنما
نشات من عزمه على المامور به، لا من نفس الفعل، وكذلك أمره نبيه ع! ياله
ليلة الالصراء بخمسين صلاة (1).
فلما حصرتم المصلحة في الفعل وحده تسلط عليكم خصومكم بأنواع
المناقضات والالزامات.
قالوا: وقد اصاب النفاة حيث قالوا: إن ا لحجة إنما تقوم على العباد
بالرسالة، و ن الله لا يعذبهم قبل البعثة، ولكنهم نقضوا الاصل ولم يطردوه،
(1) انظر: داتنبيه الرجل العاقل " (1 1 1، 5 52)، و" مجموع الفتاوى " (17/ 1 0 2، 03 2)،
و" ا لاصفهانية " (4 0 2).
1012