كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 3)

وقد ذكر هذا ا لحديث غير مالك من رواية أنس، أن رجلا جاء إ لى
رسول الله عفيم، فقال: يا رسول الله، إنا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا، وكثرت فيها
أموالنا، ثم تحولنا عنها إلى أخرى، فقلت فيها موالنا، وقل فيها عددنا، فقال
رسول الله ع! م! د: " تحولوا عنها" (1).
فليس هذا من الطيرة المنهي عنها، وانما أمرهم! يم بالتحول عنها عندما
وقع في قلوبهم منها، لمصلحتين ومنفعتين:
احدا هما: مفارقتهم لمكان هم له مستثقلون، ومنه مستوحشون، لما
لحقهم فيه ونالهم عنده، ليتعجلوا الراحة مما داحلهم من ا لجزع في ذلك
المكان والحزن والهلع؛ لان الله عز وجل قد جعل في غرائز الناس
وتركيبهم ستثقال ما نالهم الشر فيه وإن كان لا سبب له في ذلك، وحب من
جرى لهم على يديه الخير وان لم يردهم به.
فأمرهم بالتحول مما كرهوه؛ لان الله عز وجل بعثه رحمة ولم يبعثه
عذابا، وأرسله ميسرا ولم يرسله معسرا، فكيف يأمرهم بالمقام في مكان! قد
أحزنهم المقام به، واستوحشوا عنده، لكثرة من فقدوه فيه، لغير منفعة ولا
طاعة ولا مزيد تقوى وهدى؟!
لاسيما (2) وطول مقامهم فيها - بعدما وصل إلى قلوبهم منها ما
وصل - قد يبعثهم ويقودهم إلى التشاوم والتطير، فيوقعهم ذلك في أمرين
عظيمين:
(1) تقدم تخريج ا لحديث (ص: 93 4 1).
(2) ما يلي هي المصلحة الثانية.
1557

الصفحة 1557