كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 3)
وعندي في الحديثين مسلك اخر يتضمن إثبات الاسباب والحكم،
ونفي ما كانوا عليه من الشرك واعتقاد الباطل، ووقوع النفي والاثبات على
وجهه، فإن القوم (1) كانوا يثبتون العدوى على مذهبهم من الشرك الباطل،
كما يقوله المنجمون من تاثير الكواكب في هذا العا لم وسعودها ونحوسها،
كما تقدم الكلام عليهم.
ولو قالوا: إنها أسباب أو أجزاء أسباب إذا شاء الله صرف مقتضيا تها
بمشيئته وارادته وحكمته، وإنها مسخرة بأمره لما خلقت له، وانها في ذلك
بمنزلة سائر الاسباب التي ربط بها مسبباتها، وجعل لها أسبابا أخر تعارضها
وتمانعها، وتمنع اقتضاءها لما جعلت أسبابا له.
وانها لا تقتضي مسبباتها إلا باذنه ومشيئته وارادته، ليس لها من ذاتها
ضر ولا نفع ولا تاثير البتة، إن هي إلا خلق مسخر مصرف مربوب، لا
تتحرك إلا بإذن خالقها ومشيئته، وغايتها أنها جزء سبب، ليمست سببا تاما،
فسببيتها من جنس! سببية وطء الوالد في حصول الولد، فإنه جزء واحد من
أجزاء كثيرة من الاسباب التي حلق الله بها الجنين، وكسببية شق الارض
والقاء البذر، فانه جزء يسير من جملة الاسباب التي يكون الله بها النبات،
وهكذا جملة أسباب العالم من الغذاء و لدواء والعافية والسقم وغير ذلك.
وإن الله سبحانه يجعل من ذلك سببا ما يشاء ويبطل السببية عما يشاء،
ويخلق من الاسباب المعارضة له ما يحول بينه وبين مقتضاه.
فهم لو أثبتوا العدوى على هذا الوجه (2) لما انكر عليهم.
(1) غير بينة في (ق، ت). (د): " العو م". تحريف. والمثبت من (ص).
(2) (ص): " الحكم ".
1590