كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
وهذا القدر منع خلقا كثيرا من اتباع الهدى؛ يكون للرجل عدو يبغض
مكانه، ولا يحب أرضا يمشي عليها، ويقصد مخالفته ومناقضته، فيراه قد
اتبع الحق، فيحمله قصد مناقضته ومعاداته على معاداة الحق و هله، وإن
كان لا عداوة بينه وبينهم.
وهذا كما جرى لليهود مع الانصار؛ فإنهم كانوا أعداءهم، وكانوا
يتواعدونهم (1) بخروج النبي غ! يو، وأنهم يتبعونه ويقاتلونهم معه (2)، فلما
بدرهم إليه الانصار و سلموا حملهم معادا تهم على البقاء على كفرهم
و يهوديتهم.
السبب العاشر: مانع الالف والعادة و لمنشأ؛ فان العادة قد تقوى حتى
تغلب حكم الطبيعة، ولهذا قيل: "هي طبيعة ثانية " (3)؛ فيربى الرجل على
المقالة وينشأ عليها صغيرا، فيتربى قلبه ونفسه عليها كما يتربى لحمه وعظمه
على الغذاء المعتاد، ولا يعقل نفسه إلا عليها، ثم ياتيه العلم وهلة واحدة
يريد إزالتها واخراجها من قلبه و ن يسكن موضعها، فيعسر عليه الانتقال،
ويصعب عليه الزوال.
وهذا السبب وإن كان أضعف الاسباب منعا (4) فهو اعلبها على الامم
و رباب المقالات والنحل، ليس مع أكثرهم - بل جميعهم، إلا ما عسى ا ن
(1) (ح): " يتوعدونهم". وسياتي التعليق على استعمال "تو عد" بمعنى "توغد".
(2) انظر: " تفسير الطبري " (2/ 2 33 - 337).
(3) من مقالات ا لحكماء. وتنسب لبقراط. انظر: "عيون الاخبار" (3/ 57 1)، و" الهوامل
والشوامل " (1 7 1)، و" العقد" (6/ 3 1 3).
(4) (ق، ن): " معنا]). تحريف.
270