كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)

والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جيش شهوات الغي، وجيش
شبهات الباطل. فأيما قلب صغا إليها وركن إليها تشربها وامتلأ بها، فينضح
لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه
الشكوك والشبهات والايرادات، فيظن ا لجاهل أن ذلك لسعة علمه، وانما
ذلك من عدم علمه ويقينه!
وقال لي شيخ الاسلام رضي الله عنه - وقد جعلت أورد عليه إيرادا بعد
إيراد -: " لا تجعل قلبك للايرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها، فلا
ينضح إلا بها، ولكن جعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا
تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل
شبهة تمر عليك صار مقرا للشبهات " (1)، أو كما قال؛ فما أعلم أني نتفعت
بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك.
وإنما سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها؛ فانها تلبس ثوب
ا لحق على جسم الباطل، وأكثر الناس أصحاب حسني ظاهر، فينظر الناظر
فيما لبسته من اللباس فيعتقد صحتها، وأما صاحب العلم واليقين فإنه لا
يغتر بذلك، بل يجاوز نظره إلى باطنها وما تحت لباسها، فينكشف له
حقيقتها.
(1) انظر هذا المعنى في: "شفاء العليل " (323، 42 5)، و"الوابل الصيب " (0 2 1 -
2 2 1)، و" الروح " (9 9 5).
وذكر الصفدي في " الوافي " (7/ 6 1) ان ابن تيمية كان إذا راه قال له: " أيش حس!
الايرادات؟ ايش حس الأجوبة؟ ايش حس الشكوك؟، انا علم انك مثل القدر التي
غر تقول: بق بق بق، اعلاها اسفلها واسفلها اعلاها، لازمني تنتفع ".
5 9 3

الصفحة 395