كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)

وانظر في هذه الطير التي لا تخرج إلا بالليل، كالبوم والهام و لخفالش،
فإن أقواتها هيئت لها في الجو، لا من الحب ولا من اللحم، بل من
البعوض والفرالش وأشباههما مما تلتقطه من ا لجو، فتأخذ منه بقدر حاجتها
ثم تاوي إلى بيوتها فلا تخرج إلى مثل ذلك الوقت من الليل.
وذلك أن هذه الضروب من البعوض والفرالش و شباههما مبثوثة في
الجو لا يكاد يخلو منها موضع منه. واعتبر ذلك بأن تضع سراجا بالليل في
سطح أو عرصة الدار (1)، فيجتمع عليه من هذا الضرب شيء كثير.
وهذا الضرب من الفرالش ونحوها ناقص الفطنة، ضعيف ا لحيلة، ليس
في الطير أضعف منه ولا جهل، وفيما ترى من تهافته (2) في النار و نت
تطرده عنها حتى يحرق نفسه (3) دليل على ذلك.
فجعل معالش هذه الطيور التي تخرج بالليل من هذا الضرب، فتقتات
منه، فاذا أتى بالنهار انقطعت إلى أوكارها؛ فالليل لها بمنزلة نهار غيرها من
الطير، ونهارها بمنزلة ليل غيرها، ومع ذلك فساق لها الذي تكفل بأرزاق
الخلق رزقها، وخلقه لها في الجو، ولم يدعها بلا رزق مع ضعفها وعجزها.
وهذه إحدى الحكم والفوائد في خلق هذه الفرالش وا لجنادب
و لبعوض؛ فكم فيها من رزق لامة تسبح بحمد ربها! ولولا ذلك لانتشرت
وكثرت حتى أضرت بالناس ومنعتهم القرار.
(1) وهي وسطها. وقيل: كل بقعة بين لدور واسعة ليس فيها بناء. " للسان ".
(2) (ت): "تساقطه ".
(3) (ن): "حتى يحترق ويحرق نفسه ".
702

الصفحة 702