كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع، فتجد الثدي المعلق
كالاداوة قد تدلى ليك، و قبل بدره عليك، ثم جعل في رأسه تلك الحلمة
التي هي بمقدار صغر فمك فلا يضيق عنها ولا يتعب (1) بالتقامها، ثم ثقب
لك في رأسها ثقبا لطيفا (2) بحسب حتمالك، ولم يوسعه فتختنق باللبن،
ولم يضيقه فتمصه بكلفة، بل جعله بقدر اقتضته حكمته ومصلحتك.
فمن عطف عليك قلب الام ووضع فيه الحنان العجيب والرحمة
الباهرة، حتى تكون في أهنأ ما يكون من شأنها وراحتها ومقيلها، فإذ
احست منك بادنى صوت أو بكاء قامت إليك واثرتك على نفسها، على
مدى الانفاس، منقادة إليك بغير قائد ولا سائق إلا قائد الرحمة وسائق
الحنان، تود لو أن كل ما يؤلمك بجسمها، و نه لم يطرقك منه شيء، وأن
حياتها تزاد في حياتك، فمن الذي وضع ذلك في قلبها؟!
حتى إذا قوي بدنك، واتسعت أمعاؤك، وخشنت عظامك، واحتجت
إ لى غذاء اصلب من غذائك؛ ليشتد به عظمك، ويقوى عليه لحمك - وضع
في فيك الة القطع و لطحن، فنصب لك أسنانا تقطع بها الطعام وطواحين
تطحنه بها.
فمن الذي حبسها عنك أيام رضاعك رحمة بأمك ولطفا بها، ثم
اعطاكها ايام اكلك رحمة بك وإحسانا إليك ولطفا بك؟! فلو انك خرجت
من البطن ذا سن وناب وناجذ وضرس، كيف كان حال امك بك؟! ولو نك
منعتها وقت الحاجة إليها كيف كان حالك بهذه الاطعمة التي لا تسيغها إلا
(1) (ح):"يضعف ".
(2) (ح، ن):! ثم نقب ... نقبا لطيفا".
730