كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
ولهذا كان الصحابة أعرف الامة بالاسلام وتفاصيله وأبوابه وطرقه،
و شد الناس رغبة فيه، و محبة له، وجهادا لاعدائه، وتكلما بأعلامه، وتحذيرا
من خلافه؛ لكمال علمهم بضده، فجاءهم الاسلام كل خصلة منه مضادة
لكل خصلة مما كانوا عليه، فازدادوا له معرفة وحبا، وفيه جهادا؛ بمعرفتهم
بضده.
وذلك بمنزلة من كان في حصر شديد وضيق ومرض وققر وخوف
ووحشة، فقيض الله له من نقله منه إلى فضاء وسعة و من وعافية وغنى
وبهجة ومسرة، فإنه يزداد سروره وغبطته و محبته بما نقل إليه بحسب معرفته
بما كان فيه.
وليس حال هذا كمن ولد في الامن والعاقية والغنى والسرور، فإنه لم
يشعر بغيره، وربما قيضت (1) له أسباب تخرجه عن ذلك إلى ضده وهو لا
يشعر، وربما ظن أن كثيرا من أسباب الهلاك والعطب تفضي به إلى السلامة
والامن والعافية، فيكون هلاكه على يدي نفسه وهو لا يشعر. وما كثر هذا
الضرب من الناس!
فإذا عرف الضدين، وعلم مباينة الطرفين (2)، وعرف أسباب ا لهلاك
على التفصيل، كان أحرى أن تدوم له النعمة، ما لم يؤثر أسباب زوالها على
علم، وفي مثل هذا قال القائل:
عرفت الشر لا للشر ر لكن لتوقيه
(1) (ن):"اقتضست"ه
(2) (ت، ق): " ا لطريقين ".
837