كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
واذا تأملت أمر الشرائع الناسخة والمنسوخة وجدتها كلها بهذه المتزلة؛
فمنها ما يكون وجه المصلحة فيه ظاهرا مكشوفا، ومنها ما يكون ذلك فيه
خفئا لا يدرك إلا بفضل فطنة وجودة إدراك.
فصل
وهاهنا سر بديع من أسرار الخلق والامر، به يتبين لك حقيقة الأمر؛
وهو ان الله لم يخلق شيئا ولم يامر بشيء ثم ابطله وأعدمه بالكلية، بل لا بد
أن يثبته بوجه ما؛ لانه إنما خلقه لحكمة له في خلقه، وكذلك أمره به وشرعه
إياه هو لما فيه من المصلحة.
ومعلوم أن تلك المصلحة وا لحكمة تقتضي إبقاءه، فإذا عارض تلك
المصلحة مصلحة أخرى أعظم منها كان ما شتملت عليه أولى بالخلق
والامر، ويبقي في الاولى (1) ما شاء من الوجه الذي يتضمن المصلحة،
ويكون هذا من باب تزاحم المصالح، والقاعدة فيها شرعا وخلقا تحصيلها
واجتماعها بحسب الامكان، فإن تعذر قدمت المصلحة العظمى وان فاتت
الصغرى.
واذا تأملت الشريعة والخلق رأيت ذلك ظاهرا، وهذا سر قل من تفطن
له من الناس (2).
فتأمل الاحكام المنسوخة حكما حكما، كيف تجد المنسوخ لم يبطل
بالكلية، بل له بقاء بوجه:
(1) (ت، ق): " ويبقى الأولى ". و لمثبت من (ط).
(2) (ت): " قل من تفطن إليه ".
938