كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
اذ فمن ذلك: نسخ القبلة وبقاء بيت المقدس معظما محترما، تشد إليه
الرحال، ويقصد بالسفر إليه وحط الاوزار عنده، واستقباله مع غيره من
ا لجهات في السفر، فلم يبطل تعظيمه واحترامه بالكلية، وان بطل خصوص
استقباله بالصلوات، فالقصد إليه ليصلى فيه باق، وهو نوع من تعطيمه
وتشريفه بالصلاة فيه، والتوجه إليه قصدا لفضيلته وشرفه (1) له نسبة من
التوجه إليه بالاستقبال في الصلوات.
فقدم البيت الحرام عليه في الاستقبال؛ لان مصلحته أعظم و كمل،
وبقي قصده وشد الرحال إليه والصلاة فيه منشا للمصلحة؛ فتمت للأمة
المحمدية المصلحتان المتعلقتان بهذين البيتين (2)، وهذا نهاية ما يكون من
اللطف وتحصيل المصالح وتكميلها لهم؛ فتامل هذا الموضع.
* ومن ذلك: نسخ التخيير في الصوم بتعيينه؛ فان له بقاء وبيانا ظاهرا، وهو
أن الرجل كان إذا أراد أفطر وتصدق، فحصلت له مصلحة الصدقة دون مصلحة
الصوم، وان شاء صام ولم يفد، فحصلت له مصلحة الصوم دون الصدقة،
فحتم الصوم على المكلف لان مصلحته أتم و كمل من مصلحة الفدية، وندب
إ لى الصدقة في شهر رمضان؛ فاذا صام وتصدق حصلت له المصلحتان معا،
وهذا اكمل ما يكون من الصوم، وهو الذي كان يفعله النبي! يو، فانه كان اجود
ما يكون في رمضان (3)، فلم تبطل المصلحة الاولى جملة، بل قدم عليها ما هو
أكمل منها وجوبا، وشرع ا لجمع بينها وبين الاخرى ندبا و ستحبابا.
(1) في الاصول: " وشرعه ". ولعل المثبت اشبه.
(2) (ت): "البيتين المعمورين ".
(3) اخرجه البخاري (6)، ومسلم (08 23) من حديث ابن عباس.
939