كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
فهذا تقرير الاستدلال احتجاجا والتزاما (1).
ولا ريب ان الاية حجة على تناقض المثبتين إذا اثبتوا التعذيب قبل
البعثة، فيلزم تناقضهم وإبطال جمعهم بين هذين الحكمين: إثبات الحسن
والقيح عقلا، واثبات التعذيب على ذلك بدون البعثة،
وليس إبطال القول بمجموع الامرين موجبا لابطال كل واحد منهما،
فلعل الباطل هو قولهم بجواز التعذيب قبل البعثة. وهذا هو المتعين؛ لانه
خلاف نص القران، وخلاف صريح العقل ايضا، فإن الله سبحانه إنما أقام
الحجة على العباد برسله؛ قال تعالى: < زسلأ مبشرين ومنذرين لعلآ لكون
للتاس على الده حجة بغد الزسل > [العساء: 165]، فهذا صريح بان الحجة إنما
قامت بالرسل، و نه بعد مجيئهم لا يكون للناس على الله حجة، وهذا يدل
على انه لا يعذبهم قبل مجيء الرسل إليهم؛ لان الحجة حينئذ لم تقم
عليهم.
فالصواب في هذه المسألة إثبات الحسن والقيح عقلا، ونفي التعذيب
على ذلك إلا بعد بعثة الرسل، فالحسن والقيح العقلي لا يستلزم التعذيب،
وانما يستلزمه مخالفة المرسلين.
وأما المعتزلة فقد أجابوا عن ذلك بان قالوا: الحسن والقيح العقلي
يقتضي استحقاق العقاب على فعل القبيح وترك ا لحسن، ولا يلزم من
ستحقاق العقاب وقوعه؛ لجواز العفو عنه.
(1) انظر: "بيان المختصر" (1/ 304)، و"رفع لحاجب " (1/ 465).
956