- وقليلٌ ما هم - وإلا كان العقل وحده.
فإن ساعدته العناية، وأَدْركه التوفيق نَجَا بصاحبه، وإن غلب عليه الهوى وجنوده، وأُغمضَتْ عنه عين العناية والتوفيق هلك مع صاحبه.
فمن ثمَّ كان الكُمَّل في الأخلاق الجيدة من أهل العلم والدين من أقل الناس في كل زمان، وكان أهل الجهل والفسق والشَّره والانحلال عن الدين، الملحقون بالبهائم والسباع والهوام والشياطين والأبالسة أكثرَ الناس في كل وقت.
قال الله تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40].
وقال الله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13].
وقال تعالى لبني اسرائيل: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة: 83].
وقال: حكايةً عن داود عليه السلام: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24] إلى غير ذلك.
ثم إنَّ الزمان الذي بُعثَ فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن تُوفي - صلى الله عليه وسلم - لا شكَّ أنه كان أَصْلح الأزمنة، وأَلْيقها بظهور الكمالات وكثرة الظاهرين بها، حيث كان - صلى الله عليه وسلم - بين ظهرانيهم، فكان يفيض عليهم من علوم السنة، ويطبع في مرآتهم آثار المعارف وأنوار أخلاقه الزكية شيئاً فشيئاً، حتى ظهر سلطان الدين، وبَهَرَ برهان الحق، فكان كمال الدين وتمام النعمة حين كان في حجة الوداع، ونزلت عليه الآية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ