وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3].
ثم كان زمان الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين أقرب الأزمنة إلى صلاحية ظهور الناس بالكمالات، ثم زمان التابعين كما أشار إليه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خَيْرُ القُرُوْنِ القَرْنُ الَّذِيْ بُعِثْتُ فِيْهِ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنهمْ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنهمْ" (¬1).
ثم ظهرت أوائل البِدع والإحداثات في الدين، فكان كل زمان تنقص فيه السنن والكمالات عن الزمان الذي كان قبله، وتزيد فيه البدع والحوادث على الزمان قبله، وهَلُمَّ جراً، وكان أهل الخير والديانة في كل زمانٍ إذا نظروا إلى مَنْ مضى من أكابر سلفهم من أهل السنة والكمال، ومن خَلَفَ فيهم من الأحداث الذين نشؤوا في البدعة والاختلال، وظنوا أنهم على شيء، استوحشوا لفراق من فارقوا، ولم يستأنسوا بمَنْ لَقُوا، فبكوا على الزمان الغابر، وبَكُوا من الزمان العابر، وأَسِفُوا على السلف، واتقوا من الخلف، لم يُعجبهم شأنهم، ولم ترج عليهم سوقهم، فأطلقوا الذمَّ عليهم جميعاً ولو كان فيهم أفراد محمودون لأنهم قليلون جداً.
روى الإمام أحمد عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: ذَهَبَت المعارف، وبقيت المناكر، ومَن بقي من المسلمين فهو مغموم (¬2).
¬__________
(¬1) تقدم تخريجه.
(¬2) رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص: 258).