إلا جاهل، ولا أمسى به قرير عين إلَّا غافل، فما بقي من الخير إلا الاسم، ولا من الدين إلا الرسم، ولا من التواضع إلا المخادعة، ولا من الزهادة إلا الانتحال، ولا من المروءة إلا عذوبة اللسان، ولا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا حمية النفس، والغضب لها، وتضلع الكبر منها، ولا من الاستفادة إلا التعزز والتبجل، ولا من الإيمان إلا التراؤس، والتجلل بالغرور المائق المذموم عند الخلائق، النادم من العواقب، المحظوظ عن المراتب، من اغترَّ ولم يحسم رجاءَه باليأس، ولم يطلق قلبه بشدة الاحتراس.
فالحذرَ الحذرَ من الناس؛ فقد أفلَ الناس وبقي النسناس، ذئاب عليهم ثياب، إنْ استرفدتهم حرموك، وإن استنصرتهم خذلوك، وإن استنصحتهم غشوك، وإن كنت شريفاً حسدوك، وإن كنت وضيعاً حقروك، وإن كنت عالماً ضللوك وبدَّعوك، وإن كنت جاهلاً عيروك ولم يرشدوك، وإن نطقت قالوا: مِهْذار مِكثار وصَفيق، وإن سكتَّ قالوا: عَمى بطيء وبَلِيْد، وإن تعمقت قالوا: متكلف متعمق، وإن تغافلت قالوا: جاهل أحمق؛ فمعاشرتهم داءٌ وشقاء، ومزايلتهم دواءٌ وشفاء، ولا يؤمن أن يكون في الداء مرارة وكراهة، فاختاروا الدواء بمرارته وكراهته على الداء لغائلته وافته؛ والله المستعان (¬1)!
وقال الخطابي: أنشدني أبو رجاء الغنوي قال: أنشدني العتبي
¬__________
(¬1) انظر: "العزلة" للخطابي (ص: 71).