كتاب حسن التنبه لما ورد في التشبه (اسم الجزء: 11)

أو تقصير، كما لا تؤثر في الطَّاعة رؤيتك للبقر وسائر البهائم شيئًا من ذلك، فأما أنْ ترى لنفسك عليهم فضلًا ومزية فلا، كما أشار إليه بقوله: إلا أنك لا تحقرهم.
وعلى هذا المنوال ما سبق عن أبي الدَّرداء وغيره: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس كالأباعر في ذات الله تعالى (¬1).
وأمَّا أنك تراهم كالأباعر والأباقر والأحمرة ازدراءً لهم واحتقارًا، وتزكية لنفسك عليهم فهذا حرام.
ومن لطائف الأعمش رحمه الله تعالى -ولا يلحق بذلك- ما رواه أبو نعيم عن مندل قال: قلت للأعمش: هل تأذيت بالْمُسَوِّدة قط؟
قال: نعم، كنت في السواد فلقيني رجل منهم عند نهر، فقال: احملني حتى أعبر هذا النهر، قال: فحملته، فلما استوى على ظهري قال: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنا له مقرنين.
قال: فلما توسطتُ النهر رميتُ به وقلت: اللهم أنزلنا منزلًا مباركًا وأنت خير المنزلين، ثم تركته يتلبط في ثيابه في النهر، وهربت (¬2).
فانظر في جفاء هذا السوادي كيف امتهن الأعمش -وإن لم يعرفه- بالتسخير في هذا الأمر المُشِق، ثم لم يكتفِ من جفائه حتى جعله
¬__________
(¬1) تقدم تخريجه.
(¬2) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (5/ 53).

الصفحة 321