كتاب حسن التنبه لما ورد في التشبه (اسم الجزء: 11)

فالخير في من عداهم لأنَّ الخير والشر ضدان، ولا واسطة بينهما من حيث أصل الاعتقاد؛ إذ هما كفر وإيمان لا غير، فأهل الكفر لا تفاوت بينهم في أصل دخول النار ولا في الخلود فيها، وإنما التفاوت بينهم في العذاب الدائم؛ لا في دوامه، بل في إيلامه، وعمل هؤلاء الذي ظاهره حسن لا عبرة به ولا وزن له.
وأهل الإيمان متساوون في أصل التصديق واليقين، وإنما تفاوتهم في الأعمال، {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأحقاف: 19]؛ فكلما استكثر المؤمن من الأعمال الصَّالحات، وحسَّنها وأحسن فيها، ازداد بذلك إيمانًا مع إيمانه؛ أي: اتضح إيمانه ورسخ يقينه، فينتقل من أصل اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين، وأهل الإيمان كلهم على خير وإلى خير.
نعم، تنقص أحوالهم بارتكاب الأعمال غير الصَّالحة، والنقصان في الأحوال شر بالنظر إلى الكمال فيها، فمن هنا أطلق اسم الشر، وشر الناس في بعض العبارات على مُرتكبي كثير من المعاصي دون الشرك تنفيرًا منها، ولأنها قد تُوصل مرتكبها بالإصرار عليها، أو بالاستصغار لها إلى حد الشر البالغ والسوء المتناهي.
وبهذه الجملة يتضح لك وجه اختلاف إطلاق اسم الشر على نوع من المعاصي تارةً، وعلى نوع آخر منها تارة.
ومن شان الفَطِن الْحَذِر أن يتباعد عن كل ما يطلق عليه اسم الشر -وإن قلَّ بالنسبة إلى غيره- لئلا يتناهى فيه فيكون ممن دخل تحت

الصفحة 325