كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 11)

وقال الليث بن سعد: قال ابنُ شهاب: ما استودعتُ قلبي شيئًا فنسيتُه (¬1).
[وحكى أبو نُعيم عنه أنَّه قال: إنَّ هذا العلم إنْ أخَذْتَه بالمكابرة (¬2)؛ غلبَكَ؛ ولم تظفر منه بشيء، ولكن خُدهُ مع الليالي والأيام تَظْفَرْ به].
وقال الزُّهْري: جالستُ سعيد بن المسيّب عشرين سنة (¬3)؛ ركبتي مع ركبتِه، فكانت كيوم واحد.
وقال ابن أبي ذئب: كان الزُّهْريُّ قد ركبه دين وضاقَتْ حالُه، فوفد [إلى] الشَّام يريد (¬4) عبدَ الملك، فجالس قَبِيصة بنَ ذُؤيب.
قال الزُّهْرِيّ: فبينا نحن ذات ليلة نَسْمُرُ عنده؛ إذْ جاءه رسولُ عبد الملك، فقال: أجِبْ أميرَ المُؤْمنين. فقام معه، ثم عاد إلينا، فقال: أيُّكم يحفظُ قضاء عمر في أمَّهات الأولاد؟ فقلت: أنا. فقال: قُمْ. فأدخَلَني على عبد الملك، وإذا به جالسٌ على نُمْرُقَة، وبيدِهِ مِخْصَرَةٌ (¬5)، وعليه غِلالة (¬6)، وهو ملتحفٌ بِسَبَنِيَّة (¬7)، وبين يديه شمعة، فسلَّمتُ عليه، فقال: مَنْ أَنْتَ؟ فانتسبتُ له، فقال: إنْ كان أبوك لَنعَّارًا في الفتن (¬8). فقلت: عفا اللهُ عمَّا سلف. فقال: اجلس. فجلست. فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. فقال: اقرأ من سورة كذا وكذا. فقرأتُ. فقال: أتفرض؟ قلت: نعم. فقال: ما تقول في امرأة
¬__________
(¬1) المعرفة والتاريخ 1/ 635، وتاريخ دمشق 64/ 402. ومن قوله: وكان أبوه مسلم مع عبد الله بن الزُّبير ... إلى هذا الموضع بلفظه من (ص)، ووقع في النسخ الأخرى مختصرًا ودون نسبة الأقوال إلى قائليها.
(¬2) كذا في (ص) (والكلام منها)، وهو ما بين حاصرتين، و"صفة الصفوة" 2/ 138 وفي "حلية الأولياء" 3/ 364: بالمكاثرة.
(¬3) كذا في النسخ الأربعة. وفي "طبقات" ابن سعد 7/ 433، و"تاريخ دمشق" 64/ 392: عشر سنين. وفي رواية في "تاريخ دمشق": ثمان سنين.
(¬4) في "تاريخ دمشق" 64/ 373: زمان، بدل: يريد. ولفظة "إلى" السالفة بين حاصرتين منه. وهذا الخبر لم يرد في (ص)
(¬5) النُّمْرُقة: الوسادة الصغيرة، والمِخْصَرَة: ما يأخذه الملك يُشير به إذا خاطبَ، والخطيب إذا خطب.
(¬6) الغِلَالة: الشِّعار (الذي يلي الجسد من الثياب).
(¬7) السَّبنِيَّة: نوع من الثياب منسوب إلى سَبَن؛ بلدة ببغداد.
(¬8) أي: ساعيًا فيها.

الصفحة 190