كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 11)

[قال أبو الزِّناد: ] فكنتُ يومًا عند هشام في الفسطاط وأنا أسمعُ كلامَ الزُّهْريّ في الوليد وأتغافل. ودخل الحاجبُ فقال: هذا الوليدُ على الباب. فأذِنَ له، فلما دخلَ أوسعَ له هشام على فراشه، وأنا أعرف في وجه الوليد الغضبَ والشَّرّ.
فلما استُخلفَ الوليدُ؛ دعاني فقال لي: أرأيتَ يومَ دخلتُ على الأحول وأنتَ عنده، والزُّهْريُّ يقدح فيَّ؟ فقلت: نعم. فمن أين علمتَ؟ قال: الخادم الذي كان قائمًا على رأس الأحول حدَّثَني بذلك قبل أن أدخل إليكم، وأخبرني أنك لم تنطق بحرف. فقلت: نعم. قال: قد كنتُ عاهدتُ اللهَ لئن أمكنني من الزُّهْريّ لأَقتلنَّه، وقد فاتَني (¬1).
وكان الزُّهْريُّ قد اتَّعَدَ هو وابنُ هشام إن مات هشام قبلهما أن يلحقا بجبل الدُّخان. فمات الزُّهْري قبل هشام بأربعة أشهر -وقيل: بأشهر- سنة أربع وعشرين ومئة (¬2).
قال ابنُ سعد: وقال محمَّد بن عمر: قَدِمَ الزُّهْريُّ في سنة أربع وعشرين ومئة إلى أمواله بثلبة (¬3) بشَغْب وبَدَا، فأقام فيها، فمرض هناك، فمات، وأوصى أن يُدفن على قارعة الطريق، ومات لسبع عشرة من شهر رمضان وهو ابنُ خمس وسبعين سنة.
وقال ابنُ سعد: وأخبرني الحسين بن المتوكِّل العسقلاني قال: رأيتُ قبر الزُّهْرِيّ بأَدَامَى، وهي خلف شَغْب وبَدَا، وهي من أول محمل فلسطين، وآخر عمل الحجاز، وبها ضَيعَةُ الزُّهْرِيّ التي كان فيها (¬4). قال: رأيت قبره مجصّصًا أبيض.
قال ابنُ سعد: قالوا: وكان الزهريُّ ثِقَة كثير الحديث والعلم والرواية, فقيهًا جامعًا.
هذا صورة ما ذكره ابنُ سعد. وقال هشام: مات سنة خمس وعشرين ومئة. والأول أشهر (¬5).
¬__________
(¬1) طبقات ابن سعد 7/ 438 وما سلف بين حاصرتين منه. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(¬2) طبقات ابن سعد 7/ 438 - 439، وتاريخ دمشق 64/ 459. ومن أول هذه الفقرة حتى قوله: جبل الدخان، ليس في (ص).
(¬3) كذا في (ص) و"طبقات" ابن سعد 7/ 439. ولم أعرفها.
(¬4) ينظر "معجم البلدان"1/ 125 و 3/ 351 - 352.
(¬5) ينظر "طبقات" ابن سعد 7/ 439. ومن قوله: قال ابن سعد: قال محمَّد بن عمر: قدم الزُّهْرِيّ ... إلى هذا الموضع، بلفظه من (ص)، وجاء في النسخ الأخرى مختصرًا، ودون نسبة الأقوال لأصحابها.

الصفحة 194