كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 11)
[وقال ابن أبي الدنيا: ] ولما مات [هشام] ودفن، وقف مولًى له على قبره، فقال: فُعل بنا بعدك. وعدَّد أشياءَ. وهناك أعرابيٌّ قائم، فقال: إيه عنك (¬1)، فلو كُشف لكم عنه لأخبركم أنَّه لقيَ أشدَّ ممَّا لقيتُم (¬2).
[قال أبو القاسم ابن عساكر: ] ولمَّا مات هشام وأخذوا في غَسْلِهِ والناسُ قيامٌ؛ نظرَ ابنُ عبد الأعلى الشَّاعر إلى البيت الذي فيه هشام وقال:
وما سالمٌ عمَّا قليلٍ بسالمٍ ... ولو كثُرَتْ أحراسُه وكتائبُهْ
ومَنْ يكُ ذا بابٍ شديدٍ وحاجبٍ ... فعمَّا قليلٍ يهجُرُ البابَ حاجِبُهْ
ويُصبحُ بعد العزِّ يُقصيهِ أهلُهُ ... رهينًا بلحدٍ لم تُمَهَّدْ جوانبُهْ
فما كان إلَّا الدَّفْنُ حتَّى تفرَّقَتْ ... إلى غيره أجنادُهُ ومَوَاكبُهْ
وأصبح مسرورًا به كلُّ شامتٍ ... وأَسْلَمَهُ أحبابُه وأقارِبُهْ
فنفسَكَ فَاكْسُهَا (¬3) السَّعادةَ والتُّقَى ... فكلُّ امرئٍ رهنٌ بما هو كاسِبُهْ
[قال: ] فما رؤي أكثر باكيًا من ذلك اليوم (¬4).
وسالم في هذا الشعر كاتبُ هشام ومولاه.
وهذا الشَّاعر اسمُه عبد الله [بن عبد الأعلى] وهو أخو عبد الصمد المتهومِ بالزَّنْدقَة [وكان جليسَ الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
وكان لعبد الله شعر، ومنه ما كان يَتَرنَّمُ به عمر بنُ عبد العزيز:
أيقظانُ أنتَ اليومَ أمْ أنتَ نائمُ] (¬5)
وكان عبد الله مباينًا لعبد الصمد، وهو القائل:
¬__________
(¬1) كذا في (ب) و (خ) و (د). وفي (ص): إنه عنك مشغول.
(¬2) بنحوه في "مختصر تاريخ دمشق" 27/ 105.
(¬3) في (ص): فاكْسِبْها.
(¬4) ينظر: تاريخ دمشق 7/ 40 (مصورة دار البشير- ترجمة سالم بن عبد الله مولى هشام)، ومختصره 12/ 334 (ترجمة عبد الله بن عبد الأعلى). وذكر المسعودي الخبر مع الأبيات في "مروج الذهب" 5/ 414 - 415 في وفاة سليمان بن عبد الملك.
(¬5) صدر بيت، وعجزُه: وكيف يُطيق النومَ حيرانُ هائمُ. ينظر "حلية الأولياء" 5/ 319، و"تاريخ دمشق" 54/ 197 (طبعة مجمع دمشق- ترجمة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -). وهذا الكلام الواقع بين حاصرتين من (ص).