كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 11)
ولا تطع كلَّ كافر وفاجر. فأمر به فصُلب. فقال له رجلٌ (¬1) وهو يُصلب: إنا أعطيناك العمود، فصل لربِّك على عود، وأنا ضامنٌ لك أن لا تعود (¬2).
[قال: ] وحرَّم الغِناء، فجاءه شيخ كبير اسمه حنين، فأخرج عودَه وقال:
أيُّها الشَّامتُ المعيِّرُ بالشَيـ ... ـبِ أَقِلَنَّ بالشبابِ افْتِخَارَا
قَدْ لبستُ الشبابَ قبلَك حينًا ... فوجدتُ الشَبابَ ثوبًا مُعارا
فبكى خالد، وأطلقَه وقال: لا تُعاشر المُعَرْبِدين (¬3).
وقال خالد (¬4): إني لَأُطْعِمُ كل يومٍ ستَّةً وثلاثين ألفًا من الأعراب التمرَ والسَّويق (¬5).
[وحكى عن الأصمعيّ قال: ] وجاءه أعرابيّ فقال: أيُّها الأمير، لم أصُنْ وجهي عن مسألتك، فصُنْ وَجْهَكَ عن رَدِّي، وضَعْني من معروفك حيثُ وضعتُك من رجائي. فأَمَرَ له بما سأل.
ودخل عليه رجل ومعه جِرابٌ، فقال: أيُّها الأمير، إن رأيتَ أن تملأَه لي دقيقًا. فقال: املؤوه دراهم. فخرجَ على الناس، فقالوا: ما صنع الأمير في حاجتك؟ فقال: سألتُه ما أشتهي، فأمرَ لي بما يشتهي (¬6).
[وحكى أيضًا أبو القاسم عن ابن أبي الدنيا قال: ] خرج [خالد] يومًا إلى ظاهر الكوفة ومعه الأشراف ووجوهُ الناس، وكان يومًا شديدَ البرد، فقام إليه رجل فقال: ناشدتُك اللهَ أيُّها الأمير لَمَا أمرتَ بضرب عنقي. قال: ولم؟ ! هل قطعتَ طريقًا، أو قتلتَ نفسًا؟ قال: لا، ولكن الفقر والحاجة. قال: تَمَنَّ. قال: ثلاثين ألفًا. فأمرَ له بها، ثم قال خالد لمن معه: هل علمتُم تاجرًا ربح في ساعةٍ سبعينَ ألفًا؟ ! قالوا: وكيف؟
¬__________
(¬1) هو في "أنساب الأشراف" 7/ 434: حمزة بن بيض الحنفي، وفي "العقد الفريد" 6/ 145: خلف بن خليفة.
(¬2) تاريخ دمشق 5/ 491 (مصورة دار البشير)، والمصدران السابقان.
(¬3) المصدر السابق.
(¬4) في (ص): قال: وكان يقول على المنبر.
(¬5) أنساب الأشراف 7/ 428، وتاريخ دمشق 5/ 491.
(¬6) تاريخ دمشق 5/ 491 - 492.