كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 11)

ستِّ مئة فارس من كلب، وكان ابنُ علقمة في كتيبة قويَّة، فقتلَ جماعةً من أصحاب ابنِ عمر، ورآه منصور، فحملَ عليه وضربَه بالسيف على حَبْل عاتِقِهِ (¬1)، فقطَعَه، فخرَّ ميِّتًا، وكان بين يديه امرأةٌ من الخوارج تقاتلُ، يقال لها: سادة، وكانت في زِيِّ الفرسان، فأخذَتْ بلجام فرس منصور (¬2) وقالت: يا فاسق، قتلتَه! فضرب يدها، فقطع عِنانَ فرسِه، ودخلَ البلد.
ولما طال الحصار على ابن عمر قال له منصور: واللهِ ما رَأَينا في الناس مثلَ هؤلاء قطّ! فَلِمَ نُحارِبُهم؟ أعْطِهِم الرِّضا، واجْعَلْهم بينك وبين مروان، وأقِمْ مستريحًا بواسط، فإنْ ظفروا به؛ كان ما أرَدْتَ، وإنْ ظفر بهم وأرَدْتَ قِتاله؛ قاتَلْتَهُ وأنتَ مستريح. فقال له ابنُ عمر: لا تعجل حتى ننظرَ ونَتَرَوَّى. فقال له: إلى متى وقد هزمونا غير مرة، ونخافُ أن يستأصلونا.
وخرج منصور إليهم، فوقفَ على فرسه بإزائهم، وناداهم: إني أُريدُ أن أُسْلِم وأسمعَ كلامَ الله، فقالوا: هلمَّ، فجاءهم، فنزلَ عندهم، ودَعَوْا له بغَدَاء، فتغدَّى، فقال منصور: من الفارس الذي أخَذَ بعِنان فرسي يومَ علقمة؟ فنادَوْا: يا أمَّ العشير (¬3). فجاءت امرأةٌ من أجمل النساء، فاقالت: أنت ابنُ جُمهور؟ قال: نعم. قالت: قَبَّحَ اللهُ سيفَك، أين ما تُذكر منه؟ ! فواللهِ ما صنعَ شيئًا. تعني أنه ما جَرَحَها (¬4). فقال: يا أمير المؤمنين، زَوِّجْني إيَّاها. فقال: إنَّ لها زوجًا، وكانت تحت عبيدة (¬5) بن سوَّار التغلبي.
ثم إن عبد الله بن عُمر وادعهم، وخرجَ إليهم في آخر شوَّال (¬6) من هذه السنة (¬7).
¬__________
(¬1) حبل العاتق: عَصَبٌ بين العُنُق والمَنْكِب.
(¬2) وهم المختصر (أو المصنف) في تسمية المرأة. وعبارة الطبري 7/ 322 توضّح ذلك؛ قال: وأقبلت امرأةٌ من الخوارج شادَّةً حتى أخذت بلجام منصور ... وجاء في "أنساب الأشراف" 7/ 602 أنها أمُّ العشنزر.
(¬3) كذا في (خ) و (د) (والكلام منهما وليس في ص). وفي "تاريخ" الطبري 7/ 323: أمّ العنبر، وسلف في التعليق السابق أن في "أنساب الأشراف": أمّ العشنزر.
(¬4) في "تاريخ" الطبري 7/ 323: تعني ألا يكون قتلها حين أخذت بعنانه فدخلت الجنة. وبنحوه في "أنساب الأشراف" 7/ 603.
(¬5) في (خ) و (د): عُبيد. والمثبت من المصدرين السابقين. وسيرد لاحقًا.
(¬6) في (خ): في جيش في آخر شوال. والمثبت من (د) وينظر التعليق التالي.
(¬7) عبارة الطبري 7/ 323: ثم إن عبد الله بن عمر خرج إليهم في آخر شوَّال فبايعه.

الصفحة 342