كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 11)

ولبسوا الأسود، وصلَّى بهم أبو مسلم صلاة العيد، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة -وقيل: إن الذي صلَّى بالناس سليمانُ بنُ كثير (¬1) - بغير أذان ولا إقامة، وخطبَ بعدَ الصلاة، وكان بنو أميَّةَ يخطُبون قبل الصلاة، لينالوا من أمير المؤمنين - عليه السلام - قبل أن يتفرَّق الناس، ويُصلُّون بأذان وإقامة مخالفةً لسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأوَّل من فعلَ ذلك مروانُ بنُ الحَكَم في أيَّام معاوية، فأخرجَ مسلمٌ عن طارق بن شهاب قال: خطب مروانُ يومَ العيد قبلَ الصلاة، فقام بعضُ الحاضرين فقال: يا مروان، أخْرَجْتَ المنبرَ يومَ العيد، ولم يخرجه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وخَطَبْتَ قبلَ الصلاة، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر رضوان الله عليهما يخطبُون بعد الصلاة، فقال مروان: قد تُرك ذلك. قال أبو سعيد الخُدري: أمَّا هذا. فقد قضى ما عليه، سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَنْ رأى منكم منكرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فإنْ لم يَسْتَطِعْ فبلسانه، فإنْ لم يَسْتَطِعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (¬2).
وكان بنو أميَّة يُكَبِّرون في الأولى أربعَ تكبيرات، وفي الثانية ثلاثَ تكبيرات، فخالفَهم أبو مسلم، فكَبَّرَ في الأولى ستَّ تكبيرات، وفي الثانية خمسَ تكبيرات (¬3)، وهو مذهبُ ابنِ عبَّاس، وبه أخذَ الشافعيُّ (¬4).
ثم أظهرَ أبو مسلم الرايةَ التي بعثَ بها إبراهيمُ إليه، ويُقال لها: السحاب، وقيل: الظّلّ، فمن قال: السحاب (¬5)؛ فقال بأن السحاب يُطبِّقُ الأرضَ، فكذا دعوةُ بني العبَّاس، ومَنْ قال: الظِّلّ؛ تأوَّلَ أنَّ الناسَ يعيشون في ظل دولتهم (¬6).
¬__________
(¬1) القولان في روايتي "تاريخ" الطبري 7/ 355 و 357.
(¬2) صحيح مسلم (49) والقصة فيه بنحوه، وينظر "مسند" أحمد (11073).
(¬3) تاريخ الطبري 7/ 357.
(¬4) ذكر النووي في "المجموع" 5/ 20 أن المعروف من نصوص الشافعيّ -وبه قطع الجمهور- أنه في الركعة الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام وسوى تكبيرة الركوع، وفي الثانية خمس تكبيرات، سوى تكبيرة القيام من السجود والهُوِيّ إلى الركوع. وينظر أيضًا "المغني" 3/ 271 - 272.
(¬5) قوله: وقيل: الظل ... إلى هذا الموضع، ليس في (خ) وهو من (د).
(¬6) كذا ذكر المختصِر. والذي ذكره الطبري في "تاريخه" 7/ 356، وابن الأثير في "الكامل" 5/ 358 أن إبراهيم الإمام بعث بلواء يُدْعَى الظِّلّ، على رُمْح طوله أربعة عشر ذراعًا، وراية تُدْعَى السَّحاب على رُمْح طوله ثلاثة عشر ذراعًا.

الصفحة 380