كتاب شرح سنن أبي داود لابن رسلان (اسم الجزء: 11)

"المحكم" (¬1) أما بعد دعائي لك، وقيل: أما بعد الكلام المتقدم (فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -) كان ينادي عند النفير والفزع من العدو: يا خيل الله اركبي.
قال صاحب "الغريبين": قوله: يا خيل الله اركبي من مختصر الكلام، أراد: يا ركاب خيل الله، فحذف اختصارًا أو اقتصارًا على علم المخاطب كما قال: "لا يفضض الله فاك" (¬2)، قال: وإنما أراد: أسنانك التي في فيك، فأقام الفم مقام الأسنان (سمى) النبي - صلى الله عليه وسلم - (خيلنا) المعدة للجهاد في سبيل الله (خيل) بالنصب قوة الله (الله).
قال ابن الأثير: كناية عن طريق النجاة، أي: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول أو الاستدلال بالشاهد على الغائب، فكأنه أراد بقوله: يا خيل الله، يا قوة الله؛ لأن من أراد القوة على قتال العدو ركب الخيل الفحول التي هي (¬3) سبب للقوة على العدو، فمن أراد الظفر بالعدو فليستعن بقوة الله، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} (¬4) قال عكرمة: القوة: ذكور الخيل، ورباط الخيل: إناثها (¬5). وتظهر هذِه الاستعارة في (¬6) قوله تعالى: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} (¬7)؛ لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يستمسك به؛ لأن من أراد إمساك شيء تعلق بعروته،
¬__________
(¬1) "المحكم والمحيط الأعظم" لابن سيده 2/ 33.
(¬2) جزء من حديث رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" كما في "بغية الباحث" (894)، وتمام في "الفوائد" 2/ 185 (1484).
(¬3) سقط من (ر).
(¬4) الأنفال: 65.
(¬5) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" 4614 (4307).
(¬6) ساقطة من (ل).
(¬7) البقرة: 256.

الصفحة 234