كتاب فتح الباري لابن حجر (اسم الجزء: 11)
(قَوْلُهُ بَابُ الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ)
كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ الْأَقَلُّونَ وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِاللَّفْظَيْنِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَعْرُورِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْأَخْسَرُونَ بَدَلَ الْمُقِلُّونَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِلَّةِ فِي الْحَدِيثِ قِلَّةُ الثَّوَابِ وَكُلُّ مَنْ قَلَّ ثَوَابُهُ فَهُوَ خَاسِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ كَثُرَ ثَوَابُهُ قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا الْآيَتَيْنِ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا الْآيَةَ وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ قَالَ إِلَى قَوْلِهِ وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ وَلَمْ يَقُلِ الْآيَةَ وَسَاقَ الْآيَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ وَاخْتُلِفَ فِي الْآيَةِ فَقِيلَ هِيَ عَلَى عُمُومِهَا فِي الْكُفَّارِ وَفِيمَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهَا مُعَاوِيَةُ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي الْمُجَاهِد والقاريء وَالْمُتَصَدِّقِ لِقولِهِ تَعَالَى لِكُلٍّ مِنْهُمْ إِنَّمَا عَمِلْتَ لِيُقَالَ فَقَدْ قِيلَ فَبَكَى مُعَاوِيَةُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَقِيلَ بَلْ هِيَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَالْمُؤْمِنُ فِي الْجُمْلَةِ مَآلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ مُطْلَقِ الْعَفْوِ وَالْوَعِيدُ فِي الْآيَةِ بِالنَّارِ وَإِحْبَاطِ الْعَمَلِ وَبُطْلَانِهِ إِنَّمَا هُوَ لِلْكَافِرِ وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَعِيدَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ الَّذِي وَقَعَ الرِّيَاءُ فِيهِ فَقَطْ فَيُجَازَى فَاعِلُهُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِحْبَاطَ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا رِيَاءٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا عُجِّلَ لَهُ وَجُوزِيَ فِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ لِتَجْرِيدِهِ قَصْدَهُ إِلَى الدُّنْيَا وَإِعْرَاضِهِ عَنِ الْآخِرَةِ وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي الْمُجَاهِدِينَ خَاصَّةً وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَعُمُومُهَا شَامِلٌ لِكُلِّ مُرَاءٍ وَعُمُومُ قَوْلِهِ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالهم فِيهَا أَيْ فِي الدُّنْيَا مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهَ لَهُ ذَلِكَ لِقولِهِ تَعَالَى مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لمن نُرِيد فَعَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ يُحْمَلُ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ وَكَذَا يُقَيَّدُ مُطْلَقُ قَوْلِهِ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيد حرث الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا وَمَاله فِي الْآخِرَة من نصيب وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ قَدْ يُوجَدُ بَعْضُ الْكُفَّارِ مُقَتَّرًا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا غَيْرَ مُوَسَّعٍ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ أَوْ مِنَ الصِّحَّةِ أَوْ مِنْ طُولِ الْعُمْرِ بَلْ قَدْ يُوجَدُ مَنْ هُوَ مَنْحُوسُ الْحَظِّ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ كَمَنْ قِيلَ فِي حَقِّهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين ومناسبة ذكر
الصفحة 261