كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية (اسم الجزء: 11)
وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة; قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعرات من قفاه; إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع".
ففي هذه القصة: ما فعله المهاجرون والأنصار، من تعمية قبره، لئلا يفتنن به الناس; ولم يبرزوه للدعاء عنده، والتبرك به; ولو ظفر به هؤلاء المشركون، وعلموا حقيقته لبنوا عليه وعظموه، وزخرفوا قبره، وأسرجوه، وجعلوه وثنا يعبد.
فإنهم قد اتخذوا من القبور أوثانا، ممن لا يداني هذا ولا يقاربه - بل لعله عدو لله - وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد، واعتقدوا أن الصلاة عندها، والدعاء حولها والتبرك بها، فضيلة مخصوصة ليست في المساجد ; ولو كان الأمر كما زعموا، بل لو كان مباحا، لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما، ولما أخفوه خشية الفتنة به؛ بل دعوا عنده وبينوه لمن بعدهم؛ ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه، من هؤلاء الخلوف، الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وصرفوا لغير الله جل العبادات. وما أحسن ما قال الإمام مالك، رحمه الله تعالى: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها; ولكن كلما نقص تمسكهم بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وهديه، وسنة خلفائه الراشدين، تعوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك.