كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع (اسم الجزء: 11)
حجر صحي، ولا بد، ولا يعد هذا ظلماً لهم، بل هذا يعد من باب اتقاء شرهم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد» (¬1).
وظاهر هذا الحديث يعارض قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا عدوى ولا طِيَرة» (¬2)، ولا شك في هذا؛ لأنه إذا انتفت العدوى فماذا يضرنا إذا كان المجذوم بيننا، ولكن العلماء ـ رحمهم الله ـ أجابوا بأن العدوى التي نفاها الرسول صلّى الله عليه وسلّم إنما هي العدوى التي يعتقدها أهل الجاهلية، وأنها تعدي ولا بد، ولهذا لما قال الأعرابي: يا رسول الله كيف يكون لا عدوى والإبل في الرمل كأنها الظباء، ـ يعني ليس فيها أي شيء ـ يأتيها الجمل الأجرب فتجرب؟! فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أعدى الأول» (¬3)؟ والجواب: أن الذي جعل فيه الجرب هو الله، إذاً فالعدوى التي انتقلت من الأجرب إلى الصحيحات كان بأمر الله ـ عزّ وجل ـ، فالكل بأمر الله تبارك وتعالى.
وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فر من المجذوم»، فهذا أمر بالبعد عن أسباب العطب؛ لأن الشريعة الإسلامية تمنع أن يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة، ولهذا إذا قوي التوكل على الله ـ تعالى ـ فلا
¬__________
(¬1) أخرجه أحمد (2/ 443) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، والبخاري في الطب/ باب الجذام (5707) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ معلقاً، ولفظه: «كما تفر من الأسد».
(¬2) أخرجه البخاري في الطب/ باب الطيرة (5753)؛ ومسلم في الطب/ باب الطيرة والفأل ... (2225) (116) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
(¬3) أخرجه البخاري في الطب/ باب لا صفر (5717)؛ ومسلم في الطب/ باب لا عدوى ولا طيرة ... (222.) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.