كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

وفي حديث عائشة عند البخاري ومسلم: دخل -صلى الله عليه وسلم- وعلى النار برمة تقور، فدعا بالغداء، فأتي بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: "ألم أر برمة على النار تفور"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، لكنه لحم تصدق به على بريرة، وأهدت إلينا منه، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال: "هو صدقة عليها، وهدية لنا".
النوع الرابع: في ذكر صيامه -صلى الله عليه وسلم
اعلم أن المقصود من الصيام إمساك النفس عن حبس عاداتها، وحبسها عن
__________
ومسلم وأبو داود والنسائي" مختصرًا هكذا عن أنس.
"وفي حديث عائشة عند البخاري ومسلم: دخل -صلى الله عليه وسلم" حجرة عائشة "وعلى النار برمة" بضم الموحدة وإسكان الراء.
قال ابن الأثير: هي القدر مطلقا وجمعها برم، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز "تفور" بالفاء "فدعا بالغداء فأتي بخبز وأدم من أدم البيت" بضم الهمزة وإسكان المهملة: جمع أدام وهو ما يؤكل مع الخبز، أي: شيء كان، والإضافة للتخصيص "فال: "ألم أر برمة" بهمزة الاستفهام التقريري "على النار تفور؟ " زاد في رواية: فيها لحم "قالوا: بلى يا رسول الله لكنه لحم تصدق به" بالبناء للمفعول "على بريرة وأهدت إلينا منه وأنت لا تأكل الصدقة" لحرمتها عليك، فلذا لم نأتك به "فقال: "هو صدقة عليها وهدية لنا" منها؛ لأنه يسوغ للفقير التصرف في الصدقة بالإهداء والبيع وغير ذلك، كتصرف المالك في ملكه، فيجوز للغني ولو هاشميا أكلها وشراؤها؛ لأن التحريم إنما هو على الصفة لا على العين، فإذا تغيرت صفة الصدقة تغير حكمها.
قال الأبي: لا يقال: كونها أوساخ الناس ومطهرة للمال هو وصف لا تزيله الهدية بها؛ لأنا نقول: ليس وصفا ذاتيا حتى يقال: إنه لا يزول، وإنما هو وصف حكمي جعل بالشرع، وهو قد حكم بزواله. انتهى.
واستدل به على جواز صدقة التطوع لأزواجه -صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم فرقوا بينه وبين أنفسهم ولم ينكره عليهم، بل أخبرهم أن تلك الهدية بعينها خرجت عن كونها صدقة بتصرف المتصدق عليه.
"النوع الرابع: في ذكر صيامه -صلى الله عليه وسلم
اعلم أن المقصود من الصيام إمساك" أي: منع "النفس عن حبس" أي: دنيء "عاداتها" من إضافة الصفة للموصوف، أي: عاداتها الخسيسة،

الصفحة 209