كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)
شهواتها، وفطامها عن مألوفاتها، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر أعمال العاملين، كما قال الله تعالى في الحديث الإلهي الذي رواه مسلم: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به". فأضافه تعالى له إضافي تشريف وتكريم، كما قال تعالى: {نَاقَةَ اللَّهِ} [الشمس: 3] مع أن العالم كله له سبحانه.
وقيل: لأنه لم يعبد غيره به، فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرهما.
__________
ففيه أن عادات النفس التي تألفها كلها خسيسة، فعلى الصائم المحافظة على مخالفتها بفعل المأمورات، واجتناب المنهيات والاشتغال بالذكر والقرآن وأنواع القربات "وحبسها" أي: كفها "عن شهواتها" ولو مباحة "وفطامها" أي: منعها "عن مألوفاتها" من مستلذاتها "فهو لجام المتقين" المانع لهم تشبيها بلجام الدابة "وجنة" بضم الجيم مشددا وقاية "المحاربين"، لأنفسهم والشياطين "ورياضة الأبرار والمقربين وهو لرب العالمين من بين سائر أعمال العالمين، كما قال الله تعالى في الحديث الإلهي الذي رواه مسلم:" لا وجه لقصر عزوه له فقد رواه البخاري، كلاهما في الصوم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: "كل عمل ابن آدم له"" أي: له فيه حظ ومدخل لاطلاع الناس عليه فهو يتعجل به ثوابا من الناس، ويجوز به حظا من الدنيا.
وفي رواية: كل عمل ابن آدم مضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف "إلا الصيام فهو" خالص "لي" لا يعلم ثوابه غيري "وأنا أجزي" بفتح الهمزة "به" صاحبه بلا عدد ولا حساب، وهذا كقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] الآية، والصابرون الصائمون في قول الأكثر؛ لأنهم يصبرون أنفسهم عن الشهوات وعند سمويه إلا الصوم فإن لا يدري أحد ما فيه.
وقد اختلف في معناه مع أن الأعمال كلها لله وهو الذي يجزي بها، فقيل في معناه عشرة أوجه ذكر بعضها بقوله: "فأضافه الله تعالى له إضافة تشريف وتكريم، كما قل تعالى: {نَاقَةَ اللَّهِ} وأن المساجد لله "مع أن العالم كله له سبحانه".
قال الزين بن المنير: التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التشريف والتعظيم.
"وقيل:" وجه ذلك؛ "لأنه لم يعبد غيره" تعالى "به" بالصوم "فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرهما"