كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

ولذا قال في بقية الحديث: "وأنا أجزي به" وقد علم أن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى ذلك سعة العطاء، وإنما جوزي الصائم هذا الجزاء؛ لأنه ترك
__________
"ولذا قال في بقية الحديث: "وأنا أجزي به"، وقد علم" عادة "أن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى ذلك سعة العطاء" ولا أكرم من الله سبحانه، وقول البيضاوي: الاستثناء في قوله: "إلا الصيام" من كلام غير محكي دل عليه ما قبله، والمعنى أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشرة أمثالها إلى سبعمائة إلا الصيام فلا يضاعف إلى هذا القدر، بل ثوابه لا يقدر قدره ولا يحصيه إلا الله، ولذا تولى جزاءه بنفسه ولم يكله إلى غيره تعقبه الطيبي بأنه مستثنى من كل عمل ابن آدم له وهو مروي عن الله تعالى يدل عليه قوله: قال الله. انتهى.
فهذه سبعة أقوال حكاها الصنف في معناه.
والثامن: أن معناه أحب العبادات إلي والمقدم عندي، ولذا قال أبو عمر: كفى به فضلا للصيام على سائر العبادات.
وروى النسائي: عليك بالصوم فإنه لا مثل له، لكن يعكر عليه الحديث الصحيح: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة".
والتاسع: أن جميع العبادات يوفى منها مظالم العباد إلا الصيام.
قال سفيان بن عيينة: إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيحتمل الله ما بقي من المظالم ويدخله بالصوم الجنة، أسنده البيهقي عنه، ورده القرطبي بأن ظاهر حديث المقاصد أنه يؤخذ كبقية الأعمال، ففيه "المفلس: من يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ويأتي وقد شتم هذا، وضب هذا وأخذ مال هذا فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتضي ما عليه طرحت عليه سيئاتهم ثم طرح في النار".
قال الحافظ: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك، ويدل له حديث أحمد عن أبي هريرة رفعه: "كل العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي وأنا أجزي به"، ورواه أبو داود بلفظ: "قال ربكم: كل العمل كفارة إلا الصوم"، لكن يعارضه حديث حذيفة في الصحيحين: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصيام والصدقة"، ويجاب بحمل الإثبات على كفارة شيء مخصوص والنفي على كفارة شيء آخر، فإنه مقيد بفتنة المال وما ذكر معها، لكن حمله البخاري على تكفير مطلق الخطيئة، فيكون المعنى إلا الصيام فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة بشرط خلوصه من الرياء والشوائب.
العاشر: أن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة كما لا تكتب سائر أعمال القلوب، استند قائله

الصفحة 213