كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)
وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة.
فبمجموع ما ذكر في هذا الحديث من الوقت وهو شهر رمضان، والمنزل وهو القرآن، والنازل به وهو جبريل، والمذاكرة وهي مدارسة القرآن، حصل له عليه الصلاة والسلام المزيد في الجود.
__________
وبدء الخلق وفضائل القرآن، ومسلم في الفضائل "قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس:" أسخاهم على الإطلاق وهو من الصفات الحميدة.
وفي الترمذي مرفوعا: "إن الله جواد يحب الجود"، وقدم هذه الجملة على ما بعدها وإن كانت لا تتعلق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها "وأجود" بدون كان رواية البخاري في الصوم وهي ترجح الرفع في روايته في بدء الوحي، بلفظ: وكان أجود "ما يكون" ما مصدرية، أي: أجود أكوانه يكون "في رمضان حين يلقاه جبريل" أفضل الملائكة وأكرمهم، كذا جزم به المصنف، زاد في رواية: وكان يلقاه كل ليلة من رمضان، يعني: منذ أنزل عليه، أو من فترة الوحي إلى آخر رمضان الذي توفي بعده "فيدارسه القرآن" بعضه أو معظمه.
وفي الصحيحين من وجه آخر عن ابن عباس: كان -صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه جبريل استمع، فإذا نطق جبريل قرأه النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قرأ "فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة" أي المطلقة شبه المعنوي بالمحسوس تقريبا لفهم سامعه، وذلك أنه أثبت له أولا وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ منها؛ لأنها قد تسكن، واستعمل أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي؛ لأن الجود منه -صلى الله عليه وسلم- حقيقي، ومن الريح مجازي وكأنه استعار للريح جودا باعتبار مجيئها بالخير فأنزلها منزلة من جاد، وفي تقديم معمول أجود على المفضل عليه نكتة لطيفة هي أنه لو أخره لظن تعلقه بالمرسلة، وهذا وإن كان لا يتغير به المعنى المراد من الوصف بالأجودية إلا أنه تفوت به المبالغة؛ لأن المراد وصفه بزيادة الأجودية على الريح مطلقا.
"فبمجموع ما ذكر في هذا الحديث من الوقت، وهو شهر رمضان والمنزل وهو القرآن والنازل به وهو جيريل والمذاكرة، وهي مدارسة القرآن حصل له عليه الصلاة والسلام المزيد في الجود" وهو الكرم، وفي شرح البخاري للمصنف يحتمل أن زيادة الجود بمجرد لقاء جبريل ومجالسته، ويحتمل أنها بمدارسته إياه القرآن وهو يحث على مكارم الأخلاق، وقد كان القرآن له -صلى الله عليه وسلم- خلقا يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه ويمتنع مما زجر عنه، فلذا كان يتضاعف جوده وأفضاله في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل