كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

قال في فتح الباري: وفي معارضة جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقرآن في شهر رمضان حكمتان، إحداهما: تعاهده، والأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفا لإنزاله جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما.
وفي المسند، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان".
وقد دل الحديث على استحباب مدارسة القرآن في رمضان والاجتماع عليه، وعرض القرآن على من هو أحفظ منه.
__________
"قال في فتح الباري: وفي معارضة جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقرآن في شهر رمضان حكمتان، إحداهما تعاهده والأخرى تبقية ما لم ينسخ منه، ورفع ما نسخ، لكان رمضان ظرفا لإنزاله جملة وتفصيلا وعرضًا وإحكاما، وفي المسند" للإمام أحمد "عن واثلة" بمثلثة "ابن الأسقع" بالقاف "عن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: "أنزلت صحف إبراهيم" بضمتين: جمع صحيفة، وأصلها كما قال الزمخشري قطعة من جلد أو قرطاس كتب فيه، وفي الصحاح الصحيفة الكتاب "في أول ليلة من شهر رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان" أسقط من حديث المسند وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان "وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان".
قال في فتح الباري: هذا الحديث مطابق لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] ، ولقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] ، فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة، فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين، أي: صبيحتها إلى الأرض أول اقرأ بسم ربك، قال في الإتقان: لكن يشكل على هذا الحديث ما لابن أبي شيبة عن أبي قلابة، قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان. انتهى ولا إشكال؛ لأن المقطوع لا يعارض المرفوع إذ أبو قلابة تابعي، وما قاله التابعي ولم يرفع يقال له: مقطوع وهو من أقسام الضعيف.
"وقد دل الحديث" أي: حديث ابن عباس "على استحباب مدارسة القرآن في رمضان والاجتماع عليه، وعرض القرآن على من هو أحفظ منه" لعل معناه من حيث إن جبريل علم المنسوخ منه من غيره، فكان أحفظ حتى بلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم.

الصفحة 221