كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)
عليك نهارا، قال: "انزل فاجدح لنا"، قال: فنزل فجدح فأتى به فشرب النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قال بيده: "إذا غابت الشمس من ههنا، وجاء الليل من ههنا فقد أفطر الصائم" رواه البخاري ومسلم.
والجدح -بجيم ثم حاء مهملة- خلط الشيء بغيره. والمراد: خلط السويق
__________
أحدهما "يا بلال" "انزل فاجدح لنا" بهمزة وصل وسكون الجيم وفتح الدال وبحاء مهملتين، أي: اخلط السويق بالماء أو اللبن بالماء لنفطر عليه، هكذا ضبطه الحافظ وغيره، فهو الرواية وإن جاز لغة فتح الهمزة وكسر الدال من أجدح.
"قال: يا رسول الله إن عليك نهارًا" وفي رواية: الشمس، أي: باقية، أو انظر الشمس، وفي رواية أخرى: لو أمسيت "قال: "انزل فاجدح لنا" زاد في رواية للشيخين: قال: "لو أمسيت"، وفي أخرى: "الشمس".
قال الحافظ: يحتمل أنه رأى كثرة الضوء من شدة الصحو، فظن أن الشمس لم تغرب وأنه غطاها شيء من جبل ونحوه، أو كان هناك غيم فلم يتحقق غروبها.
قال الزين ابن المنير: يؤخذ منه جواز الاستفسار عن الظواهر لاحتمال أن لا يكون المراد ظاهرها، وكأنه أخذ ذلك من تقريره -صلى الله عليه وسلم- الصحابي على ترك المبادرة إلى الامتثال، وفيه تذكير العالم بما يخشى أنه نسيه وترك المراجعة له بعد ثلاث، وقد اختلفت الروايات في ذلك، فأكثرها أنها وقعت ثلاثًا، وفي بعضها مرتين، وفي بعضها مرة واحدة، وهو محمول على أن بعض الرواة اختصر القصة، ومن ذكر الثلاث حافظ فزيادته مقبولة.
"قال" ابن أبي أوفى: "فنزل" فلان "فجدح فأتى" في رواية فأتاه "به" أي: بما جدحه "فشرب النبي -صلى الله عليه وسلم" منه "ثم قال:" أي: أشار "بيده" قائلا: "إذا غابت الشمس من ههنا" من جهة المغرب "وجاء الليل من ههنا" أي: من جهة المشرق، والمراد به وجود الظلمة الحسية وغيبوبة الشمس ومجيء الليل متلازمان وجمع بينهما؛ لأنهما قد يكونان في الظاهر غير متلازمين لاحتمال أنها لم تغب، بل استترت بشيء "فقد أفطر الصائم" أي: دخل وقت فطره أو صار مفطرا حكما؛ لأن الليل ليس ظرفا للصوم الشرعي، وفي رواية: فقد حصل الإفطار وهي تؤيد التفسير الأول، ورجحه ابن خزيمة وعلله بأن قوله: "فقد أفطر الصائم" خبر ومعناه الإنشاء، أي: فليفطر الصائم، قال: ولو كان المراد فقد صار مفطرا كان فطر جميع الصوام واحدا، ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى "رواه البخاري ومسلم" بطرق متعددة، إلا أن لفظ في شهر رمضان إنما وقع في رواية لمسلم، وباقي الروايات عنده كالبخاري ليس فيه ذلك.
"والجدح بجيم" أوله "ثم حاء مهملة" آخره "خلط الشيء بغيره، والمراد خلط