كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، وكان أخف لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم، وإلا فلا يكون قربة.
وقد صرح في الحديث بأن الوصال من خصائصه -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إني لست كهيئتكم". وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب قال: قال -صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم". قالوا: فجعله مفطرا حكما بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر، وذلك يحيل الوصال شرعا.
__________
إلا أنه يؤخره؛ لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، وكان أخف لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم وإلا فلا يكون قربة".
"وقد صرح في الحديث بأن الوصال من خصائصه -صلى الله عليه وسلم، فقال: "إني لست كهيئتكم"، فلا معنى للوصال إلى السحر لحديث: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر"، وقالت عائشة: كان -صلى الله عليه وسلم- أعجل الناس فطرا، قاله أبو عمر.
"وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب" قال: "قال -صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من ههنا" أي: من جهة المشرق "وأدبر النهار" أي: ضوؤه "من ههنا" أي: من جهة المغرب وهما متلازمان ذكرهما؛ لأن أحدهما قد يكون أظهر للعين في بعض الأماكن كما لو كان في جهة المغرب، فانحجب البصر عن إدراك الغروب وكان المشرق ظاهرا بارزا، فيستدل بطلوع الليل على الغروب.
قال الطيبي: وإنما قال: "وغربت الشمس" مع الاستغناء عنه لبيان كمال الغروب لئلا يظن أنه إذا غرب بعضها جاز الإفطار.
وقال المصنف: قيد بالغروب إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والإدبار وأنهما بواسطة الغروب لا بسبب آخر، فالأمور الثلاثة وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود شيء يغطي الشمس، وكذلك إدبار النهار، فلذا قيد بالغروب.
"فقد أفطر الصائم، قالوا: فجعله مفطرا حكما بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر" بالفعل "وذلك يحيل" يمنع "الوصال شرعا" فلا ينتفع المواصل بوصاله؛ لأن الليل ليس موضعا للصوم.
قال الطيبي: ويمكن أن تحمل الأخبار على الإنشاء إظهارا للحرص على وقوع المأمور به، أي: إذا أقبل الليل فليفطر الصائم، وذلك أن الخيرية منوطة بتعجيل الإفطار، فكأنه قد وقع

الصفحة 252