كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

"العصاة". زاد في رواية: فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينتظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر. رواه مسلم.
وعن ابن عباس قال: سافر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهارا ليراه الناس، وافطر حتى قدم مكة. وكان
__________
حده؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- إنما بالغ في الإفطار حتى رفع قدح الماء بحيث يراه كل الناس لكي يتبعوه ويقبلوا رخصة الله، فمن أبى فقد بالغ في العصيان، كذا قال: ولا ينبغي هذا في حق الصحابة وقد أمكن غيره.
"زاد في رواية" بعد قوله: فصام الناس "فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينتظرون" أي: يتأملون، كذا في النسخ من الانتظار والذي في مسلم، وإنما ينظرون بدون مثناة "فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء" لم يختلف في حديث جابر أنه من ماء وهو الصحيح في حديث ابن عباس، وشك بعض رواته فقال: من ماء أو لبن "بعد العصر" فشرب "رواه" أي: حديث جابر بالزيادة "مسلم" من طريقين.
"وعن ابن عباس قال: سافر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان" في غزوة فتح مكة فهو من مرسلات الصحابة؛ لأن ابن عباس لم يكن معه في الفتح وإنما أخذه من غره كما قاله أبو الحسن القابسي، فما يوجد في بعض نسخ المواهب: سافرنا مع رسول الله خطأ صراح مخالف لما في الصحيحين "فصام حتى بلغ عسفان" بضم العين وإسكان السين وفاء: قرية جامعة على أربعة برد من مكة.
وفي رواية للشيخين عن ابن عباس أيضا حتى بلغ الكديد بفتح الكاف وكسر الدال المهملة الأولى فتحتية فمهملة، فسر في نفس الحديث عند البخاري في المغازي بلفظ: الكديد الماء الذي بين قديد وعسفان. ومر عن جابر: حتى بلغ كراع الغميم، وهذه أماكن مختلفة، والقصة واحدة، وجمع عياض بأنها أماكن متقاربة وعسفان يصدق عليها؛ لأن الجميع من عملها؛ وبأنه أخبر بحال الناس ومشقتهم بعسفان وكان فطره بالكديد، وجمعه الثاني إنما يستقيم على المشهور المعروف أن عسفان على ثمانية وأربعين ميلا من مكة، والكديد على اثنين وأربعين ميلا منها لا على نقله هو أن عسفان على ستة وثلاثين ميلا من مكة، والأول معناه: أنها لتقاربها لا يضر اختلاف الرواة في تسميتها، لجواز أن كلا من الرواة سمى الموضع الذي أفطر فيه باسم، إما موضوع له حقيقة أو سماه به مجازا لقربه مما سماه به غيره "ثم دعا بإناء من ماء" زاد في رواية للشيخين: فرفعه إلى يديه، وفي أبي داود: إلى فيه، وللبخاري من وجه آخر عن ابن عباس بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحته أو راحلته بالشك فيهما فيقدم عليه رواية من جزم بالماء،

الصفحة 258